طالعت اليوم باهتمام بالغ ما نشرته مجلة اليمامة، في عددها (2918) الصادر يوم الخميس 09 صفر 1448هـ الموافق 23 يوليو 2026م، مقالًا نقديًا في زاويتها «حديث الكتب» بعنوان: «رحلتي عبر السنين» لمحمد توفيق بلو.. سيرة ذاتية ترصد تحولات المجتمع السعودي، بقلم الأستاذ الدكتور صالح الشحري، تناول فيه قراءة الجزء الثالث من سيرتي الأدبية «رحلتي عبر السنين – على عتبة الحلم».
وقد أسعدني في هذه القراءة أنها لم تكتفِ باستعراض أحداث الكتاب، بل تناولته بوصفه شهادة على مرحلة من التحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشها المجتمع السعودي، وناقشت أسلوبه السردي، وأبرزت كثيرًا من القضايا التي حاولت توثيقها من خلال تجربتي الشخصية.
فحين يقرأ ناقد كتابك… فإنك تنتظر رأيه أكثر مما تنتظر مديحه.
وأكثر ما أسعدني في هذه القراءة أنها التقطت الفكرة التي سعيت إلى بنائها منذ بدأت كتابة «رحلتي عبر السنين»؛ وهي أن تكون السيرة نافذة يُرى من خلالها المجتمع، لا أن يكون المجتمع مجرد خلفية للسيرة.
ولعل أكثر ما لفتني في قراءته أنه لم يتعامل مع الكتاب بوصفه مجموعة من الذكريات، بل أعاد قراءته من منظور اجتماعي، فرأى في التعليم، والنادي، والتدخين، والسينما، والفيديو، والابتعاث، واللغة الإنجليزية، وبرايتون، والخطوط السعودية شواهد على تحولات المجتمع السعودي، وهو ما كنت أسعى إلى توثيقه منذ بدأت كتابة هذه السلسلة.
وقد استوقفتني جملة أوردها في بداية قراءته، قال فيها:
«فقدان البصر يتيح لصاحبه إضاءة خبايا الذاكرة.»
وأعتقد أنها من أجمل العبارات التي كُتبت عن تجربتي حتى الآن؛ فهو لم يجعل فقدان البصر مأساة، ولم يحوله إلى خطاب عاطفي، بل نظر إليه بوصفه أداة أدبية تكشف ما تختزنه الذاكرة من تفاصيل، مع أن أحداث السلسلة في جزئها الثالث لم تصل بعد إلى مرحلة فقداني للبصر، وربما استحضر الدكتور صالح ذلك من قراءته السابقة لكتابي «حصاد الظلام»، وقراءته لمشروعي «رحلتي عبر السنين» بوصفهما مشروعًا أدبيًا واحدًا متصلًا.
كما أعجبني نقده الموضوعي للكتاب بعيدًا عن المجاملة، ومن ذلك قوله:
«اتبع الكاتب أسلوب سرد قريب من الرواية، لكنه كان يتوقف ليتأمل بين حين وآخر، لعل هذا الأسلوب جعله يتجاوز أي موقف للتأمل النقدي لفترة برايتون، فإن إثارة التجربة والإعجاب الشديد بالحياة في بريطانيا قد استغرقه.»
والحقيقة أنني حاولت أن أكتب التجربة كما عشتها في ذلك الزمان بعين شاب في التاسعة عشرة من عمره، لأترك للقارئ أن يتأمل ويستنتج التحول الذي حدث لي لاحقًا عندما يقرأ بقية أجزاء السلسلة أو يتابع ما وصلت إليه اليوم.
ولذلك كنت حريصًا على أن أكتب هذه السيرة كما لو أنني أحمل كاميرا كانت تصور ذلك الزمان كما هو، لا كما أتذكره اليوم، ولا كما أود أن أراه بعد مرور السنين. وقد حاولت في ذلك أن أكتب بتجرد، مستلهمًا ما فعله الأديب الكبير أحمد أمين في سيرته «حياتي»، حيث آثر أن ينقل تجربته كما عاشها، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، دون تجميل أو إعادة صياغة ترضي نظرة الحاضر.
فلم أكن أكتب مذكراتي بلسان الواعظ، بل كنت أكتب سيرتي بلسان الإنسان. وربما تكون هذه إحدى النقاط التي يختلف حولها النقاد؛ فمَن يقرأ بعين اليوم قد يرى بعض المواقف بصورة مختلفة، أما من يقرأ بعين عام 1979م، فسيدرك طبيعة تلك المرحلة، وما كانت تحمله من تحولات، وربما يجد فيها من المتعة والإثارة ما يجعله يعيشها كما عشناها.
وأشكر للدكتور صالح الشحري هذه القراءة النقدية الثرية، كما أشكر مجلة اليمامة على اهتمامها بتجربة «رحلتي عبر السنين» للمرة الثالثة، وهو تقدير أعتز به كثيرًا.
ويسعدني أن أشارككم المقال كما نشرته مجلة اليمامة:
https://mohammedbellow.com/r20j
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.