بعد غياب نحو شهرين في الولايات المتحدة الأمريكية، عدت إلى جدة في مثل هذه الأيام من شهر سبتمبر 1996م، بإرادة أقوى، وثقة أكبر بقدرتي على تجاوز آثار فقدان البصر والإحالة المبكرة إلى التقاعد، وبمهارات لم أكن أعرف قبل ذلك أن الإنسان الكفيف يستطيع اكتسابها واستخدامها في حياته اليومية.

وعدت أيضًا بعصا بيضاء غير قابلة للطي، خفيفة الوزن لا يتجاوز وزنها نحو اثنتي عشرة أونصة، يصل طولها إلى كتفي، بنحافة الخيزران، وفيها تقوس بسيط يمنحها شيئًا من المرونة عند الاصطدام. كانت، ببريقها وشكلها الأنيق بالنسبة إليَّ، أكثر من مجرد عصا؛ فقد كانت واحدة من الأدوات التي تعلمت من خلالها أن الاستقلال لا يعني أن أستغني عن الوسيلة، بل أن أعرف كيف أستخدمها.

على ضفاف نهر المسيسيبي بالعصا البيضاء التي عدت بها إلى جدة بعد انتهاء البرنامج التدريبي في مينيابوليس، 1996م

وعدت كذلك بنموذج للطاولة الخشبية الصغيرة التي صنعتها بنفسي خلال البرنامج التدريبي، وثلاثين صورة فوتوغرافية، وشريط فيديو مدته نحو ست عشرة دقيقة، وثقت من خلالهما جوانب من برنامجي التدريبي في مينيابوليس الذي غير مجرى حياتي. ومنذ اللحظة الأولى لدخولي المنزل، كان كل من يقابلني يلحظ التغير في حالتي النفسية والمعنوية عما كنت عليه قبل الرحلة.

نموذج الطاولة الخشبية التي صنعتها خلال البرنامج التدريبي في مينيابوليس، 1996م، وأحضرتها معي إلى جدة

وما فتئت أتحدث عن البرنامج التدريبي، وكيف استطعت أن أصنع تلك الطاولة، وكيف اكتسبت مهارة المشي بالعصا البيضاء، وكيف كنت أعيش بمفردي، إلى آخر الحكاية.

وكان أفراد الأسرة سعداء بالتغير الذي طرأ عليَّ؛ فقد كنت قبل السفر حاد المزاج، سريع التوتر والغضب، أصارع اليأس والإحباط اللذين داهماني مع تدهور البصر وفقداني للعمل.

لكن، وعلى الرغم من كل ذلك الحماس الذي عدت به، استيقظت في صبيحة اليوم التالي وأمامي جملة من التحديات التي لا يمكن تجاهلها.

كان عليَّ أولًا أن أوفر عشرة آلاف ريال مستحقة عن البرنامج التدريبي الذي وعدت بسداد تكلفته فور عودتي إلى السعودية، فضلًا عن تسديد مصروفات الرحلة، وأن أحصل على تمويل يمكنني من العودة إلى الولايات المتحدة لاستكمال البرنامج التدريبي الذي كان سيكلف نحو ثلاثة آلاف دولار للشهر الواحد شاملًا السكن، وتتراوح مدته من ستة إلى تسعة أشهر، والسعي لإيجاد عمل لتحقيق اكتفائي الذاتي وحياة مستقرة ماديًا.

وفوق ذلك كله، كان هناك ما يشغلني وأم سندس وهو التأكد من نجاح عمليات القلب المفتوح الجراحية التي أُجريت لابننا سندس خلال الأعوام الأربعة الماضية منذ ولادته.

ومع ذلك، كانت الروح المعنوية والإرادة اللتان عدت بهما تقولان لي: لا تقلق، وافعل ما يجب عليك أن تفعله.

وللتعامل مع هذه التحديات، فكرت في اتخاذ خطوة عملية بالاتصال بمركز التأهيل الشامل بجدة، بعد علمي بأنه الجهة الوحيدة آنذاك التي توفر خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة من غير الطلاب.

اتصلت هاتفيًا وشرحت للموظف وضعي وحالتي، فأجابني بأن الخيار الوحيد المتاح لي هو الالتحاق بدورة لمدة عشرة أشهر للتدرب على وظيفة مأمور سنترال، وأن أمامي قائمة انتظار تمتد إلى العام التالي.

شكرته وأغلقت السماعة، وأنا أقارن ذلك مع تجربتي في مركز «لايت هاوس» بنيويورك ومعهد BLIND, Inc في مينيابوليس، خصوصًا أنني كنت أدرك أن وظيفة مأمور السنترال، بمعناها التقليدي آنذاك، ستنتهي من الوجود يومًا ما.

وعلى أي حال، صرفت النظر كليًا عن فكرة الالتحاق بمركز التأهيل الشامل.

وللمفارقة، ورغم مرور ثلاثة عقود تقريبًا على تلك المكالمة، فإنني حتى يومنا هذا لم أسجل في المركز بما يتيح لي الحصول على كثير من الخدمات المتوفرة للأشخاص ذوي الإعاقة؛ وذلك لما ترسخ في قناعتي بشأن الإطار الذي ينبغي أن تقوم عليه الخدمات والحقوق والمزايا التي يحصل عليها الأشخاص ذوو الإعاقة.

ذلك ما جعلني أكثر إصرارًا على استئناف محاولاتي لإيجاد داعم لفكرة إنشاء «مركز لخدمات المعاقين بصريًا وإعادة التأهيل» مشابه لما رأيته في أمريكا، يحمل اسم «ابن أم مكتوم» تيمنًا بالصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، الذي يُعد رمزًا لاستقلالية الكفيف.

من الوثائق الأولى لفكرة «مركز ابن أم مكتوم لخدمة الإعاقات البصرية» الذي طورته لاحقا في نسخته النهائية إلى مركز خدمات التعويق البصري

وفي خضم ذلك، جاءني اتصال مفاجئ من مكتب مدير عام الخطوط السعودية.

طلبوا مني مراجعتهم، فغمرني فرح عارم؛ إذ قفز إلى ذهني أن قرارًا ربما صدر أخيرًا لإعادتي إلى العمل.

ذهبت إليهم وأنا أحمل ذلك الأمل.

لكن سكرتير المدير العام أخبرني أن لديهم خطابًا يطلب مني مراجعة فرع وزارة المالية بمنطقة مكة المكرمة.

فأصابتني خيبة أمل؛ لأن الأمر لم يكن، كما تمنيت.

راجعت وزارة المالية، فإذا بخبر مفرح يمحو جانبًا من تلك الخيبة: فقد تم تسليمي شيكًا بمبلغ 46 ألف ريال بتوجيه من الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمه الله- حينما كان وليًا للعهد.

وتعود قصة ذلك الشيك إلى عام قبل استلامه، حين سنحت لي فرصة الذهاب إلى مجلسه الأسبوعي الذي كان يعقده مساء كل ثلاثاء لاستقبال طلبات المواطنين وشكاواهم، فقدمت له معروضًا شرحت فيه قضيتي، ورغبتي في العودة إلى العمل، وحاجتي إلى التدريب في الولايات المتحدة الأمريكية وشراء الأجهزة المساندة، بكلفة تبلغ 46 ألف ريال بحسب ما قُدِّر لي بعد زيارتي لـ«لايت هاوس».

لكن يبدو أن ما رُفع إليه من طلبي اقتصر على تمويل الأجهزة، فصدر التوجيه بصرف المبلغ.

ولم تكن لدي وسيلة لمتابعة الطلب، لذلك لم أعلم بصدور القرار إلا بعد نحو سنة؛ إذ لم يكن في طلبي سوى عنوان الخطوط السعودية.

فرحت بالشيك كثيرًا؛ فقد كان مفتاح فرج غير متوقع ولم يكن في الحسبان. وعلى الفور سددت منه مستحقات الـNFB ومصروفات الرحلة.

وهكذا انفرج جزء مهم من الجانب المالي، لكن ثلاثة أسئلة ظلت معلقة: هل أنجح في العودة إلى العمل؟ وهل تجد فكرة المركز من يتبناها؟ وماذا ستقول فحوص ابني سندس؟

ومن هنا قررت الشروع في حملة إعلامية، بالتوجه إلى الصحف التي نشرت عن قضيتي عندما أُحلت إلى التقاعد المبكر، بهدف التوعية بأهمية إيجاد برامج لإعادة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية عبر مركز متخصص في بلادنا، وفي الوقت نفسه إثبات قدرتي على العمل.

وأثمرت الحملة عن نشر سلسلة من اللقاءات الصحفية مدعمة بالصور التي أحضرتها معي من مينيابوليس.

فنشرَت «عكاظ» حوارًا في صفحة كاملة بعنوان: «قهر الإعاقة بمشروع ابن أم مكتوم – كفيف طبخ الكبسة للأمريكيين».

وتضمن نبذة مختصرة عن الدورة التدريبية التي التحقت بها، وطموحاتي المستقبلية في إنشاء مركز يقدم خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية تغطي احتياجاتهم العملية واليومية، كما تناول قضيتي وتجربتي مع الخدمات المتاحة في بلادنا من واقع اتصالي بمركز التأهيل الشامل.

أما صحيفة Arab News فنشرت سلسلة من ثلاثة لقاءات في 11 و18 و25 أكتوبر 1996م. تناول الأول قضيتي وضعف الخدمات المتاحة وطموحي في إنشاء مركز لخدمات الإعاقة البصرية، والثاني رحلتي إلى أمريكا وبرنامج الاعتماد الذاتي والحاجة إلى تطبيق مثل هذه البرامج في بلادنا، بينما تناول الثالث دمج الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في المدارس العادية، وما يمكن أن تحققه التجربة من فوائد رغم المصاعب التي تواجه المعلمين والطلبة على السواء.

أما صحيفة «الشرق الأوسط» فقد خصصت ثلاث صفحات لتجربتي مع البرنامج التدريبي، ونشرتها بتاريخ 26 نوفمبر 1996م في مجلتها الأسبوعية تحت عنوان: «محمد بلو يدعو لبرنامج خاص لقهر الظلام». تناولت فيها أهم الفوارق في حياتي قبل البرنامج التدريبي وبعده، مع تقديم لمحة عن الاتحاد الوطني للمكفوفين NFB، والدعوة إلى تعريف الغرب بالمنهج الإسلامي في التعامل مع العمى والعميان، وقصة الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم بوصفه رمزًا للاستقلال الذاتي للمكفوفين، والاستفادة من ذلك في طرح حلول للذين يفقدون أعمالهم بسبب فقدانهم بصرهم.

نماذج من التغطيات الصحفية التي واكبت دعوتي إلى إنشاء برنامج متخصص لخدمات الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل

وفي أثناء وجودي بمكتب صحيفة «الشرق الأوسط»، التقيت بالأديب محمد صادق دياب -رحمه الله- لأول مرة إبان رئاسته مكتب مجلة «سيدتي». استقبلني في مكتبه، وتعارفنا، واستمع إلى قصتي وتفاعل معها، وأبلغني أنه سيعمل على نشرها في المجلة.

ونتج عن تلك الحملة ردود فعل واسعة في أوساط المجتمع، تلقيت على إثرها اتصالًا من أب حصل على رقمي من صديق له يعرفني. كان لديه طفل كفيف في المرحلة الابتدائية، وكان يبحث له عن علاج أو جهاز يمكن أن يساعده.

شرحت له أن المسألة لا تتوقف عند العلاج، وأن ابنه يحتاج أيضًا إلى التدريب والتأهيل واكتساب مهارات الاستقلال، التي تبدأ بالتوجه والتنقل الآمن باستخدام العصا البيضاء، فقاطعني بشدة وبنبرة استهجان قائلًا:

«أعوذ بالله! أنا أجيب لولدي هندي يمشيه، ولا أجيب له عصاية يمسكها».

زادني قوله دهشة عندما عرفت أنه يشغل وظيفة مرموقة في شركة أرامكو.

والحقيقة أن استخدام العصا البيضاء كان واحدة من المشكلات الرئيسة التي واجهتها منذ عودتي؛ فالبعض كان يستهجنها، والبعض يستغربها، والبعض الآخر لم يكن يرق له أن يراني أستخدمها.

وللأسف، لا يزال استخدام العصا البيضاء حتى يومنا هذا يشكل في أجزاء من عالمنا العربي عائقًا اجتماعيًا، وربما بصورة أشد لدى بعض الكفيفات، فضلًا عن الافتقار إلى التدريب الاحترافي والمهني على استخدامها في التوجه والتنقل الذاتي.

وفي أصداء اللقاءات الصحفية، اتصل بي أيضًا من المنطقة الشرقية رجل الأعمال الكفيف والعضو المنتدب لشركة «نما» آنذاك الأستاذ عبد الرزاق التركي، وعرفني بنفسه وبتجربته مع العمى، وأنه أول كفيف سعودي يعمل دبلوماسيًا لدى السفارة السعودية في واشنطن لبعض الوقت، وعرض عليَّ العمل مأمور سنترال في أحد الفنادق التي كان يملكها في الشرقية.

فشكرته على مبادرته، واعتذرت له عن عدم قبولي لعرضه.

وفي غضون ذلك، كنت وأم سندس على موعد للسفر إلى الرياض لمراجعة مستشفى الملك خالد التخصصي، في زيارة متابعة لابننا سندس، للاطمئنان إلى تطورات حالته ونتائج آخر عملية جراحية في القلب أجريت له؛ إذ كان هذا الأمر من أكثر ما شغلنا منذ ولادته.

وبعد المراجعة وإجراء الفحوصات، تلقينا خبرًا أسعدنا كثيرًا: فقد كللت العملية الأخيرة بالنجاح، وأظهرت النتائج أن المطلوب بعد ذلك هو المتابعة الوقائية مع طبيب قلب كل سنتين.

واستغليت وجودي في الرياض لزيارة الشيخ عبد الله الغانم -رحمه الله-، رئيس المكتب الإقليمي للجنة الشرق الأوسط لشؤون المكفوفين، وأحد رواد المكفوفين في المملكة، في مكتبه بالحي الدبلوماسي.

عرضت عليه قضيتي، وطلبت دعمهم ومساندتهم لمشروع «مركز ابن أم مكتوم»، لكنني خرجت من اللقاء دون نتيجة عملية، باستثناء بعض الكتيبات عن المكتب والاتحاد العالمي للمكفوفين الذي كان الغانم أحد مؤسسيه.

وخلصت من تلك الزيارة إلى أن هناك أيضًا قصورًا معرفيًا في قضية ضعف البصر واحتياجاتها، وفي الفجوة القائمة بين ضعف البصر والعمى، وهو ما كرس قناعتي بأهمية فكرة مركز يجمع بين خدمات العمى وضعف البصر تحت مظلة واحدة، كما رأيت في «لايت هاوس» بنيويورك.

ومضت أسابيع على لقائي بالأستاذ محمد صادق دياب، ثم فوجئت باتصال منه طالبًا إجراء لقاء تلفزيوني معي في منزلي لبرنامج كان يعده لقناة ART بعنوان «من السعودية مع التحية»، يقدمه الإعلامي القدير عدنان صعيدي، للحديث عن تجربتي مع فقدان البصر و«وجبة الراكب الكفيف» التي فازت بها الخطوط السعودية.

سعدت بطلبه كثيرًا.

وفي يوم التصوير، الذي تم في الاستديو المنزلي الخاص بي، تحدثنا على هامش اللقاء عن نشاطاتي وما أقوم به من كتابات وحملة إعلامية.

وبعدها بأيام بُث اللقاء، وكان أول ظهور تلفزيوني لي. وقدمني فيه الأستاذ عدنان صعيدي بوصفي «المؤلف»، وكانت المرة الأولى التي يطلق عليَّ فيها أحد هذا اللقب؛ إذ كنت آنذاك قد بدأت التفكير في إعداد كتاب عن جدي الأديب طاهر زمخشري -رحمه الله-.

وعلى إثر ذلك، ازداد حماسي لأن أكون فعليًا كاتبًا ومؤلفًا، بالتوازي مع العمل على تحقيق مشروع «مركز ابن أم مكتوم» لخدمات الإعاقة البصرية.

ومن هنا طرأت عليَّ فكرة طرق أبواب القنوات الفضائية، مستعينًا بما توفر لدي من لقاءات صحفية، إلى جانب إحصاءات منظمة الصحة العالمية عن المكفوفين التي حصلت عليها إثر مراسلاتي للمنظمة، حيث وصلني من مكتب الأمين العام ما كان متاحًا آنذاك من معلومات وإحصاءات عن المكفوفين حول العالم.

وكانت تلك المعلومات تشير في ذلك الوقت إلى أن قرابة 90% من المكفوفين حول العالم يعيشون في دول العالم النامية.

فكتبت إلى قناة الجزيرة مقترحًا لتناول قضية الإعاقة البصرية من زاوية اهتمام الإسلام المبكر بها، في برنامجي «الشريعة والحياة» و«حوار في الرياضة».

ولم تمضِ أسابيع حتى فوجئت باتصال من الإعلامي أحمد منصور، مقدم برنامج «الشريعة والحياة» آنذاك، أخبرني أن فريق الإعداد قرر تخصيص حلقة عن الإعاقة ورعاية المعاقين في الإسلام ستبث على الهواء مباشرة، وأنه سيمنحني نحو خمسة عشرة دقيقة للحديث عن تجربتي مع فقدان البصر ورحلاتي إلى أمريكا.

ثم جاء اتصال من فريق إعداد برنامج «حوار في الرياضة» الذي كان يقدمه الإعلامي أيمن جادة، يفيد بتخصيص حلقة عن رياضات الأشخاص ذوي الإعاقة، واستضافتي لدقائق على الهواء للحديث عن مقترحاتي بشأن رياضاتهم.

وهكذا، ومن دون تخطيط مسبق، توالى حضوري في الصحافة والتلفزيون، وبدأت القضية تخرج من حدود تجربتي الشخصية.

وفي ظل محاولاتي لإيجاد فرصة عمل، وما التمسته من نقص في الوعي المجتمعي، والنجاح الذي حققه ظهوري التلفزيوني، قررت طرق باب قناة ART، واقترحت إنتاج برنامج تدريبي للمكفوفين باستخدام الفيديو الذي أحضرته معي من أمريكا عن برنامجي التدريبي، كمشروع يتيح لي فرصة للعمل وموردًا للدخل.

التقيت بمسؤول إدارة الدراما آنذاك، فقال لي: سنفكر في الموضوع. لكنه اتصل بي في اليوم نفسه وقال: «أنا متعاطف مع وضعك، وعندنا وظيفة مأمور سنترال ممكن تشغلها».

فقلت في نفسي… مأمور سنترال مرة أخرى؟!

شكرته على مبادرته واعتذرت عن قبول الوظيفة.

لكن بعد أيام فوجئت باتصال من الأستاذ فوزي كلش، الذي عرفني بنفسه بأنه مخرج تلفزيوني في قناة ART، وأنه سمع حديثي مع مسؤول إدارة الدراما ويرغب في الالتقاء بي بهذا الخصوص.

وبالفعل، زارني في المنزل برفقة معد البرامج صالح السحيمي. وخلال تعارفنا، استمعا إلى قصتي، وأخبراني أن لديهما فكرة برنامج تحت عنوان «يستحقون الوسام» يتناول إبراز المنجزين من ذوي الإعاقة، ويرغبان أن أكون أحد ضيوفه.

رحبت بذلك، وبعد أن عرفا قصتي تفصيليًا، حصلا استثنائيًا على موافقة القناة لتخصيص حلقتين تُقدَّمان في قالب دراما وثائقية؛ الأولى عن حياتي قبل الإصابة بالإعاقة، والثانية بعدها، مع استخدام الفيلم الذي أحضرته معي ليكون ضمن العمود الفقري للعمل، ووضعا للحلقتين عنوان:

«رحلتي في الظلام الأبيض».

واستغرق إنتاج العمل عدة أشهر، وانتهى برسالة قدمتها في نهايته، دعوت فيها إلى إنشاء مركز لإعادة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، سواء من وُلدوا مكفوفين أو من فقدوا بصرهم لاحقًا، حتى يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم، ولا يضطر من يفقد بصره إلى السفر إلى أمريكا ليكتشف الطريق إلى استقلاله؛ وأن أكون أنا جزءًا من هذا المشروع، وأن يصبح عملي فيه مصدر دخل يعيد إليَّ استقلالي الاقتصادي.

واختُتم العمل بمشهد خروجي من وسط دخان أبيض وأنا أوجه رسالة قلت فيها:

«عالم الرؤية بالقلب وليس الرؤية بالبصر، من خلال الثقافة والعلم، والقضاء التام على العجز عن العمل والعجز البصري، والانتصار والكفاح، والخروج من نفق الظلام إلى النور والبصيرة».

وعلى ضوء ما حققه الفيلم من نجاح وردود فعل، أعيد بثه عدة مرات على شبكة قنوات ART، بما فيها قناة «اقرأ».

وضمن ردود فعل النشاط الإعلامي الذي قمت به آنذاك، وما أحدثه الفيلم من أصداء، جاءني اتصال من البروفيسور محمد بن حمود الطريقي، المشرف العام على المشروع الوطني لأبحاث الإعاقة والتأهيل وإعادة التأهيل داخل المجتمع في المملكة العربية السعودية آنذاك.

أثنى على نشاطي الإعلامي، وطلب إجراء لقاء معي للمجلة التي كان يصدرها المشروع باسم «عالم الإعاقة»، فنُشر لاحقًا في صورة لقاء بعنوان:

«محمد بلو: الكفيف المبصر!!»

والأهم من ذلك كله أنه أرسل لي لاحقًا الدراسة التي أعدها المشروع عن الإعاقة في المملكة عام 1417هـ – 1997م، وكتابه الصادر عام 1418هـ بعنوان «مراحل حاسمة»، الذي تضمن رؤيته تجاه الإعاقة وحلولًا لعدد من قضاياها.

وكانت تلك الدراسة بمثابة إضافة مهمة إلى ما جمعته من حصيلة معلومات عن الإعاقة البصرية، بما تضمنته من معلومات ودراسات إحصائية وديموغرافية عن الإعاقات في المملكة، ومنها الإعاقة البصرية.

وفي هذه الأثناء، كانت علاقتي بالمخرج فوزي كلش قد توطدت، وأصبح قريبًا من قضيتي ونشاطاتي يومًا بيوم، وكثيرًا ما كان يزورني في الاستديو المنزلي الخاص بي الذي أطلق عليه «الصومعة»، لما وجده فيه من تنوع ثقافي بين مكتبة الكتب والموسيقى، التي اختار منها بعض الموسيقى التصويرية للفيلم.

وفي إحدى الليالي، بينما كنا نجلس سويًا، قال لي:

«عليك الآن أن تُعلِّق كل أنشطتك، وتركز على مشروع المركز مهما كلفك ذلك من جهد ووقت».

أخذت بقوله.

وكان قد مضى نحو أربعة أعوام على عودتي من مينيابوليس دون أن أنجح في العودة إلى العمل، لكنني كنت في المقابل قد جمعت حصيلة كبيرة من المعلومات الإحصائية المحلية والعالمية عن العمى وأسبابه، وزخمًا إعلاميًا واسعًا.

ومنذ ذلك الوقت بدأت بصورة أكثر حسمًا اتخاذ خطوة عملية واضحة ومحددة نحو إنشاء مركز للخدمات، خصوصًا بعد أن أرسلت لي ART نسخة من الفيلم.

وهنا بدأت الصورة تتغير مرة أخرى.

لم يعد بين يدي مجرد قصة رجل فقد بصره، وسافر إلى أمريكا، وتعلم كيف يستعيد استقلاله.

أصبحت لدي تجربة، وصور، وفيلم وثائقي، ومعلومات عن واقع الإعاقة في المملكة، وبيانات دولية عن حجم المشكلة. فبدأت، بمساعدة بعض الأصدقاء، تحويل الفكرة إلى ملف مشروع. وكان من بينهم «أيمن علي نجار»، الذي أمليت عليه تصور المشروع بعد أن تدهورت حالتي البصرية إلى حد لم أعد معه قادرًا على القراءة والكتابة.

أثناء العمل على إعداد مشروع مركز خدمات الإعاقة البصرية، بمساعدة الصديق ماجد بخاري

وعندها تذكرت ما قالته السيدة «كوني لابلان» لأم سندس قبل التحاقي بالبرنامج التدريبي في مينيابوليس؛ بأن يومًا سيأتي أفقد فيه القدرة على القراءة والكتابة، وأن التكبير وحده لن يكون عمليًا، وعليَّ تعلم وسيلة بديلة للقراءة والكتابة.

وبفضل الله، تمكنت من إعداد ملف أكثر نضجًا للمشروع: مركز متخصص في خدمات العوق البصري وإعادة التأهيل، له أهداف ومكونات محددة وخدمات واضحة، وإحصاءات ودراسات ديموغرافية عن الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في المملكة، ونبذة تعريفية عني مع نماذج من اللقاءات الصحفية التي أجريت معي حول المشروع، وأرفقت مع الملف نسخة من فيلم «رحلتي في الظلام الأبيض».

وحمل غلاف الملف عنوان «مقترح مشروع مركز خدمة التعويق البصري»، ووضعت عليه صورتي بالعصا البيضاء في مينيابوليس، وكتبت تحتها:

«القضاء على العجز عن العمل بالوعي والعلم والثقافة».

وأرَّخت الملف في ربيع الآخر 1421هـ – يوليو 2000م.

وهكذا أصبح بيدي ملف متكامل للمشروع.

وقررت أن أستهدف بالملف معالي الدكتور أحمد محمد علي، رئيس البنك الإسلامي للتنمية آنذاك؛ لسهولة الوصول إليه بحكم القرابة، ولأن البنك الإسلامي معني بالقضايا التنموية في الدول الإسلامية، ومنها قضية العمى، فضلًا عن متابعته قضيتي منذ إحالتي إلى التقاعد المبكر ومحاولاته الحثيثة لمساعدتي في العودة إلى عملي بالخطوط السعودية دون جدوى.

وها أنا ذا أعود إليه ثانية، لا بمشكلة، بل بمشروع تنموي مقترح.

قدمت له ملف المشروع والفيلم، وبعد أن اطلع عليهما، أبدى اهتمامه بالمشروع، واتخذ خطوة عملية بالاتصال بأحد معارفه من أهل الاختصاص، وهو الدكتور عصام قدس -رحمه الله-، بصفته طبيب عيون ومدير مستشفى العيون بجدة آنذاك، الذي أكد أهمية الفكرة لوجود مشكلة فعلية في خدمات تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

واقترح عرض المشروع أيضًا على الدكتور عاكف المغربي، بصفته طبيب عيون ورجل أعمال يملك سلسلة مراكز ومستشفيات مغربي للعيون، وله نشاطات في مجال مكافحة العمى، ويمكن أن يوفر للمشروع سندًا طبيًا وتنفيذيًا.

كما اقترح عرض المشروع على الأستاذ الدكتور عدنان البار -رحمه الله-، بحكم تخصصه في طب الأسرة والمجتمع ومنصبه آنذاك مديرًا عامًا للشؤون الصحية بمنطقة مكة المكرمة، ليكون للمشروع اتصال بالقطاع الصحي الرسمي.

وبدأ فجر جديد يبزغ أمامي عندما أخبرني معالي الدكتور أحمد محمد علي بمن خاطبهم، وأنهم جميعًا أبدوا اهتمامهم بالفكرة، وطلب مني التواصل معهم وإرسال ملف المشروع إلى كل واحد منهم.

ولم أكد أصدق أنني وجدت نفسي بعد أسابيع أحضر اجتماعًا في مكتب معالي الدكتور أحمد محمد علي في البنك الإسلامي للتنمية، بحضور الجميع، للحديث عن المشروع ومناقشة فكرته.

وأبدى الجميع استعدادهم لتبنيه ودعمه.

وكان اقتراحهم أن أنسب شخصية لتبنّي المشروع هي صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز -رحمه الله-، رئيس برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية «أجفند» آنذاك.

ثم رفعوا التماسًا إلى سموه بتاريخ 1421/09/29هـ، في وثيقة تعريفية بالفكرة الأولية للمشروع وطلب تبنيه.

وكانت المفاجأة أن سموه رد بخطاب رسمي في وقت وجيز (1421/10/20هـ ).

أبدى فيه تأييده للمشروع، موضحًا أنه يندرج ضمن أولويات برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية، وأشار إلى أنه:

«يمكن من خلال تنفيذه خدمة شريحة كبيرة من المعاقين في المملكة».

وأوصى ببحث:

«أنجع الوسائل لبلورة فكرة هذا المشروع وإيجاد الآلية المناسبة لتنفيذه وتمكين شريحة المعاقين بصريًا من الاستفادة منه على مستوى المملكة».

كان ذلك الرد كافيًا ليمنح الفكرة دفعة جديدة ويزيد حماس الجميع.

وأقر معالي الدكتور أحمد محمد علي مشاركة البنك الإسلامي للتنمية في دعم المشروع، وأكد الدكتوران عدنان البار وعصام قدس -رحمهما الله- استعدادهما لدعمه بما يلزم من تصاريح وموافقات رسمية.

وتقرر إسناد إدارة المشروع إليَّ لاستكمال الدراسات اللازمة لتأسيس المركز، بعدما كان الدكتور عاكف المغربي قد أعلن دعم المشروع عبر مستشفيات ومراكز مغربي، وتخصيص مكتب لي في المستشفى الرئيس بحي النزلة، وتعيين سكرتير خاص لمساعدتي، وتكفله بما يترتب على ذلك من نفقات.

وفي 10 مارس 2001م، باشرت العمل في المكتب بمسمى:

«مدير مركز خدمة التعويق البصري».

توقفت يومها أمام مفارقة لم تكن لتخطر ببالي وأنا أغادر عملي قبل قرابة تسع سنوات.

فقد أمضيت تلك السنوات أحاول العودة إلى الوظيفة التي خرجت منها بسبب فقدان البصر، فإذا بي أعود إلى العمل من باب آخر، متحملًا مسؤولية أكبر؛ مديرًا لمشروع وُلد من التجربة نفسها التي أخرجتني من عملي الأول.

وأصبح أمامي تحدٍّ أكبر وهو إنجاح المشروع وتحويله من فكرة داخل ملف إلى كيان قائم على أرض الواقع.

وكانت تلك بداية خطاي الفعلية نحو تأسيس «إبصار»

أما ما جرى بعدها، فتلك حكاية أخرى من «رحلتي عبر السنين».

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 1
Share