أ.د. صالح الشحري 2026-07-20

سبق للكاتب محمد توفيق بلو أن أصدر كتابين عن سيرته الذاتية،  وقد عرضناهما في اليمامة ، أولهما بعنوان “حصاد الظلام”، عرض فيه لما أصابه من فقد تدريجي للبصر أجبره على التقاعد المبكر، أما في الأجزاء الأولى من “رحلتى عبر السنين” فقد قدم صورة له و للمجتمع من حوله، ويظهر لنا هنا أن فقدان البصر يتيح لصاحبه إضاءة خبايا الذاكرة، لنرى هنا حياة الكاتب منذ أنهى المرحلة الإعدادية (الصف التاسع من المراحل الدراسية)، إذ تزامن دخول الكاتب مرحلة المراهقة مع تسارع تحولات التنمية في المجتمع السعودي منذ أعوام ١٩٧٧ وما تلاها، وكما هزت الحالة المجتمعية الهادرة كل ركن من أركانه فإنها أثارت في حياته الكثير من الأمواج التى كاد بعضها يغرقه، وبعضها يزيده قوة حتى وصل إلى ساحة العمل في المجال الذي أحبه ليتحول من طالب فشل دراسيا ثلاث سنوات متتالية، إلى الأول على خمسة وعشرين متدربا من الجنسين في برنامج التدريب الذي أهله ليكون مضيفا جويا، والمضيف الجوي ليس مجرد نادل يلبى طلبات الزبائن بل إنه في برامج التأهيل يخوض برنامجا صعبا لا يصمد له إلى كل عاشق للعمل شديد العزم.

التجارب التى مر بها ، مر بها الكثير من أفراد جيله ، فقد انفتح المجتمع على الغرب ، و سافر أبناؤه لطلب العلم في في كافة مجتمعات الغرب، و طافوا أرجاء البسيطة سياحة و تجارة طلبا للعلم ، و لحسن حظ شباب ذلك المجتمع فقد كانت فرص الحياة كثيرة ، فما أن يتعثر في موقع حتى يجد بابا آخر يُفتح له ، فيعوض ما فاته أو يتعثر فيقوم ليطرق بابا آخر ، تلك الحياة التى لم تعد اليوم بهذه السهولة ، و لكنها في كل الأحوال تفرض قاعدة التحدي والاستجابة.

في مرحلة مبكرة من حياته و ربما تأثرا بوالده الذي توفي و هو يعمل في الخطوط السعودية، كان حلمه أن يلتحق ببرنامج الخطوط السعودية ، الذي يلتحق به الطلبة بعد اجتيازهم السنة الأولى الثانوية ، يجتازون من ثم برنامجا يؤهلهم  للابتعاث إلى الولايات المتحدة لدراسة علوم الطيران ، و يعودون لشغل المراكز الفنية و الإدارية التى يحتاجها بلد شاسع المساحة لا بد له من الإعتماد الكبير على الطيران في النقل الداخلي.

استمر البرنامج عشر سنوات لكنه انتهى في السنة التي أصبح فيها صاحبنا قاب قوسين أو أدني. هنا اختار صاحبنا أن يلتحق بإحدى المدارس الثانوية التى تقدم نمطا جديدا من التعليم ، الباب المفتوح،  لا يُجبر الطالب على الحضور ، و يتغيب عن الدرس متى شاء ، و كان الأمل أن يتربى الطالب على الاستقلالية في اتخاذ القرار و على الوعي المبكر.

  النمط الحديث من التدريس لم ينجح مع صاحبنا الذي انتهى  إلى الساحات المجاورة للمدرسة ، حيث السندوتشات،  و المياه الغازية و التدخين ، و من هناك إلى نادى الاتحاد،  حيث بدأ يمارس لعبة كرة اليد ، و يجهد نفسه في التدريب ، لكنه لا يتجاوز الجلوس على دكة الاحتياط إلى اللعب أساسيا إلا دقائق قليلة من المباراة ، فقد كان نَفَُسه ينقطع سريعا بسبب التدخين.

كانت السجائر رخيصة ، و هو يجيد التخفى، و عندما تعبق الغرفة التي يستقبل فيها أترابه في منزله برائحة السجائر كان أهله يصدقونه حين يقول أن بعض أصحابه يُدخن ، و حيث أن أصحابه من  جيرانهم المعروفين بالخير ، فإن أهله كانوا متسامحين.

وقادته الشلة إلى مزيد من الجلسات في احد بيوت جيرانهم الميسورين، سواء أكان بيتهم في المدينة أو بيتهم الآخر على شاطئ أبحر ، ذلك الخليج الجميل الذي يرتاده الجديون للسباحة و جلسات الأنس ، و من جلسات السمر إلى لعب البلوت والشطرنج والضومنة،  والحضور لتشجيع فريق نادى الاتحاد لكرة القدم ، بل والسفر لمدن أخرى لدعم الفريق، وشارك في بعض الشغب الذي كاد يوقعه في يد الشرطة.

وتحولت كثير من جلسات الأنس إلى المقاهي التقليدية التي تقدم فيها الشيشة مع الشاى، ولكن روادها يستمتعون بنسيم الليل العليل.

و حيث كانت حياة مدينة جدة تتغير فقد أتاحت له حضور الكثير من أفلام السينما ، التى تفتح أبوابها في الشوارع الخلفية ، باب لبيت شعبى يؤدى إلى حوش، يعرض كل ليلة ثلاثة أفلام، أولها فيلم عربي، ثم فيلم أوروبى، ويليه أحد أفلام الكاوبوى، و مع الوقت وقدوم الطلبة من أماكن ابتعاثهم في أمريكا محملين بأشرطة الغناء والموسيقى الغربية، أصبح الكاتب خبيرا بالموسيقى الغربية وفنون المزج الموسيقى.

ومع الوقت اتيح لبيوت الميسورين تملك اجهزة الفيديو. و استئجار الأفلام، فانتقلت السينما الى البيوت، و كلما فتحت الحياة آفاقا جديدة للبهجة، كلما ازداد صاحبنا ضيقا بفصول الدراسة، وحساسيةً لعيوب التعليم، وساهم ضعف التوجيه السلوكي في النادي و في المدرسة في إشراع أبواب الفشل الدراسى، وتجلى ذلك في الرسوب سنتين متتاليتين في الثانوية المطورة، حاول أن يجد مكانا في إحدى الثانويات التقليدية فلم يفلح، فانتهى به الأمر إلى مدرسة المنهل، حيث الدراسة الليلية، وذلك زاد من وقته المتاح للهو، و ساهم يتمه المبكر وطيبة والدته وكرمها العاطفي في إرخاء حبل الحرية غير المسؤولة، كما ساهم في ذلك أيضا غياب جده الشاعر طاهر زمخشري في تونس، وغياب عمه الآخر للدراسة في الولايات المتحدة، وانشغال عمه الثانى بالخروج في سبيل الله مع جماعة التبليغ.

خفف عن العائلة ما كان لأبنائها وبناتها من نجاح أخته وعمته فقد كانتا من أوائل من حصل على البكالوريوس من السعوديات، كما حصل أخوه على تأهيل في معهد التدريب الصناعي والتحق بوظيفة فنية لدى الخطوط السعودية، ولذا فقد سهل عليه إقناعهم  بشراء سيارة له، كما توسط له جده ليحصل على إجازة قيادة قبل أن يبلغ السن القانوني ودون تأهيل واختبار حقيقي، وكان ذلك مقبولا في عصر مضى.

وكثرت الحوادث البسيطة التى وقعت له مما اضطره إلى بيعها بعد فترة قصيرة، كان ذلك مؤشرا على تفاقم ضعف البصر لديه، الأمر الذي لم ينتبه إليه أحد.

سئم الدراسة في المدرسة الليلية، و استطاع بالواسطة أن يحصل على وظيفة مراقب عمال في البلدية، وهو عمل أحس أنه لا يليق به، ولكنه تحمل من أجل المكافأة التى بلغت ١٢٠٠ ريال. استرعى انتباهه معهد قريب من مكان عمله لتعليم اللغة الانجليزية، ورحب به المشرف، وما أن التحق بالمعهد حتى احب الدراسة، فقد كانت الدراسة تؤهله لاستعمال اللغة في الحياة، بينما كانت دراسة الإنجليزية في المدرسة تؤهله للإختبار فقط، وحيث أن أبناء الجيران قد سافروا إلى بريطانيا للالتحاق بمعهد لتعليم اللغة الانجليزية، فقد تركز طموحه على أن يلتحق بهم في الصيف بما استطاع أن يوفر من مال.

في الصيف سافر إلى بريطانيا، تسامح المجتمع تجلى في في التغاضي عن استخدامه تذكرة سفر مجانية بإسم أمه باعتبارها ارملة أحد موظفي الشركة، في الطائرة تعرف على أحد مضيفى الطيران من زملائه السابقين، لم تكن حصيلته في اللغة الإنجليزية تكفيه للتفاهم في انجلترا، ولذا فقد سهل له  صاحبه أمر استئجار سيارة تنقله من المطار إلى محطة فيكتوريا، ومن هناك يسافر القطار إلى ليفربول حيث خاله الذي يتخصص في طب الأطفال.

وبعد أيام استقل القطار إلى مدينة توركي قاصدا أصحابه من أبناء الجيران. في الطريق سمع ثلاثة من المسافرين يتحدثون بلهجة يمانية يشيرون إليه “تعالوا نجلس بجوار هذا الزنجى” ، عرف أنه قد دخل  تصنيفا آخر ، تصنيف لوني.

تعرفوا عليه وعندما اكتشفوا انه لا يعرف عنوانا لأصدقائه، أقنعوه أن يذهب معهم إلى مدينة برايتون، حيث الكثير من الطلاب الأجانب الذين يتعلمون في معاهد اللغة، الصدمة الأولى كانت يوم رأي أصدقائه اليمنيين يجلسون على الأرض ويأكلون باليد طعاما يمنيا صنعوه، وتجلس معهم صديقاتهم الانجليزيات يأكلن بنفس الطريقة.

التحق بمعهد اللغة الانجليزية، واستقل بالسكن. المعهد يعطيهم تذاكر مجانية للذهاب إلى صالات الديسكو مرتين أسبوعيا، في الطابور التقى بأحد زملاء المدرسة وانتقل للعيش معه، حيث تعرف على أصدقاء من السعودية سكنوا سويا، فهم أن تعلم اللغة من المجتمع وفي الشارع وصالة الديسكو أكثر فاعلية من التعلم في معهد اللغة، اجتذبه الديسكو، درب جسمه على الرقص، و اذنه على التناغم بين حركات الرقص والموسيقى، ونال إعجاب احدى الفتيات الانجليزيات،  فأصبحت ترافقه في صالات الديسكو، حذرته صديقتها من أن لها أخوين من جماعات اليمين المتطرف الذين يريدون تطهير بلاد الإنجليز من الملونين، وفي إحدى المرات حدثت مشاجرة بينه وبين بعض الطلبة الليبيين الذين سخروا منه، تطور الشجار إلى استعمال الزجاج المكسور، وحمل صاحبنا سكينا للانتقام، و سرعان ما حضرت الشرطة، ولولا أن الله ستر فلم يكتشفوا حمله للسلاح الأبيض لتطورت الأمور إلى الأسوأ.

انتهت أمواله و فُصل من عمله في جدة و تهاون في الالتزام الدينى، و عندما أراد العودة لم يقتنع موظفو المطار الإنجليز بإتمام الحجز دون رؤية صاحبة التذكرة شخصيا ( أمه)، اضطر للاستدانة حتى يشتري تذكرة العودة.

عاد آلى جده ، ليجد نفسه غريبا، كل همه أن يعود إلى صديقته باربارا،  أحد أصدقائه من جنوب أفريقيا كان يرشده إلى مثالب الحياة في الغرب، نُصح بأن يلتحق بالمعهد الصناعي، لم ترق له الدراسة، ولكنه كان يريد المكافأة، و بينما هو على تردده وجد إعلانات عن تدريب موظفين للعمل مضيفين في الخطوط السعودية، استعاد حلمه القديم، التدريب شاق، يتضمن أصول الضيافة والإنعاش القلب الرئوي، والتصرف في حالات الكوارث، وإنقاذ الركاب، والعمل حين السقوط في مياه المحيط، وأساليب الحفاظ على الحياة عند الانقطاع في الصحراء، كل ذلك يقتضى تدريبا عمليا و نظريا، استطاع الرجل اجتياز التدريب بنجاح  فقد تخلص من الديسكو وملحقاته.

اتبع الكاتب أسلوب سرد قريب من الرواية، لكنه كان يتوقف ليتأمل بين حين وآخر، لعل هذا الأسلوب جعله يتجاوز أى موقف للتأمل النقدى لفترة برايتون فإن إثارة التجربة والإعجاب الشديد بالحياة في بريطانيا قد استغرقه.

الوثائق المنشورة تعيد القارئ للواقع، الغريب ان الكاتب احتفظ بكل أوراقه، مثل أوراق أسئلة الامتحانات التي لم يفلح فيها ، لم يكن هناك دافع لذلك في حينه ، لكن حياتنا تتحول إلى حكايات،  يفنى الإنسان و تعيش الحكاية.

رابط المقال على مجلة اليمامة

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 12
Share