في مثل هذه الأيام من العام 1981م، كنت قد وصلت إلى مطار جون إف كينيدي بنيويورك قادمًا من جدة على متن طائرة الخطوط السعودية من طراز بوينغ (747SP)، ضمن طاقم عملها في رحلتها رقم (021)، بعد ثلاث عشرة ساعة طيران دون توقف، عبرنا فيها المحيط الأطلسي بمطباته الجوية وظلامه الدامس الذي زانه بريق نجومه.

وقد كان ذلك بالنسبة إليَّ قفزة كبرى قياسًا على أقدميتي في العمل؛ أن أكون ضمن طلائع المضيفين للعمل على طائرة البوينغ (747) المنضمة حديثًا إلى أسطول الخطوط الجوية العربية السعودية، والعمل على خطوطها الجديدة ومن بينها نيويورك، وذلك بعد اختياري للعمل على طائرة الترايستار كنتيجة مباشرة لتداعيات حادثة الرحلة 163 في 19 أغسطس 1980م، في الوقت الذي لم أكن قد أكملت فيه خمسة أشهر من تاريخ تعييني.

ولم تمضِ عدة أشهر حتى رُقِّيت للعمل على طائرة البوينغ 747، بعد اجتيازي برنامجها التدريبي في 8 أبريل 1981م.

ومع دخولي إلى صالة المطار، كنت متوقعًا أنني داخل إلى عالم مختلف تمامًا عن كل ما شهدته في رحلاتي الدولية التي عملت عليها، وبفضل ما سمعته من زملائي الذين سبقوني على رحلات نيويورك.

فبمجرد نزول الركاب من الطائرة ودخولي إلى صالات المطار، بدأت ألتقط الفروق.

ممرات طويلة، وآلاف المسافرين يتدفقون، ونظام مختلف في إجراءات الوصول. وكان للملاحين شباك خاص؛ إذ كانت الولايات المتحدة تشترط تأشيرة خاصة بأطقم الطيران تحمل الرمز D. نتقدم واحدًا بعد الآخر إلى موظف الجوازات، ثم نأخذ حقائبنا ونمر عبر الجمارك، قبل أن نخرج فنجد الحافلة التي ستقلنا إلى الفندق.

في الخارج كانت الحركة لا تتوقف؛ حافلات ضخمة، وسيارات أجرة، وسيارات خاصة، وطرق سريعة عريضة مكتظة بالمركبات.

ثم بدأ الاقتراب من مانهاتن، وكان أول انبهاراتي رؤيتي للجسور الضخمة المعلقة في الأفق، ونفق كوينز–ميدتاون (Queens–Midtown Tunnel) الذي عبر بنا من كوينز تحت النهر الشرقي إلى قلب مانهاتن.

كنت أدرك أن المدن الأمريكية تختلف تمامًا عن المدن الأوروبية، بعد أن زرت مدينة فينكس بولاية أريزونا في إجازتي السنوية قبل وقت قصير، لكن مانهاتن كانت شيئًا مختلفًا ومغايرًا لما توقعته؛ ناطحات سحاب على مد النظر، وأرصفة عريضة ومزدحمة بالمشاة، ومحال ومقاهٍ، ومربعات من المباني تفصل بينها التقاطعات، وحركة مرور كثيفة تسير في إيقاعٍ منتظم.

وما زاد على ذلك وصولنا إلى مبنى فندق جراند حياة (Hyatt Grand New York) الذي سنقيم فيه؛ وذلك بعد أن انحدرت بنا الحافلة عبر جسر جادة بارك «Viaduct» المرتفع المحاذي للفندق، تحت ظلال مبنى بان آم «Pan Am» الضخم الذي كان يهيمن على الأفق.

وتوقفت أمام البوابة الغربية للفندق، الذي كان مبهرًا حتى قبل الدخول إليه بواجهته الزجاجية البانورامية التي زادته ضخامة، حتى يُخيّل للناظر إليه أنه شاهق بين المباني الشاهقة المتاخمة له.

دخلناه وأخذنا طريقنا نزولًا إلى بهو الفندق بالسلم الكهربائي، فإذا به منظومة متناسقة من المشاهد تخلب النظر والسمع؛ بهو كبير متعدد المستويات، وشلالات مياه، ونباتات وورود طبيعية، وأثاث فاخر، وأرضيات تتنوع بين الرخام والسجاد، وعزف حي على البيانو يمتزج بصوت المياه ورائحة القهوة، وحركة النزلاء والزوار، وأناقة العاملين ورقي الاستقبال.

ثم المصاعد السريعة، والغرف بتفاصيلها الدقيقة، والأثاث الزجاجي والخشبي، والإضاءات المتعددة، والنوافذ المطلة على ناطحات السحاب، والتلفاز بقنواته الكثيرة، ومحطات الـFM التي ستصبح بعد ذلك واحدةً من بواباتي إلى عالم آخر.

كانت مدة المبيت المقررة لنا فيه خمسة أيام؛ إذ كانت رحلات نيويورك في ذلك الوقت رحلتين أسبوعيًا.

يومها لم أكن أدرك الأهمية والخلفية التاريخية لذلك الصرح. واليوم، وأنا أسطر هذه الكلمات وأقرأ عن تاريخه، علمت أن المبنى افتتح أصلًا عام 1919م باسم « Commodore Hotel»، ملاصقًا لمحطة Grand Central Terminal الشهيرة.

وفي عام 1976م دخل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، حين كان آنذاك مطورًا عقاريًا شابًا، في شراكة مع مجموعة Hyatt للاستحواذ على الفندق وإعادة تطويره، وخضع المبنى لعملية تحول واسعة غطت واجهته بالزجاج العاكس، قبل أن يعاد افتتاحه عام 1980م باسم «Hyatt Grand New York»، بكلفة بلغت 100 مليون دولار أمريكي.

والمفارقة التي لم أكن أعرفها يوم وصلت إليه أنني كنت أقيم في واحد من أحدث فنادق مانهاتن آنذاك؛ فلم يكن قد مضى على افتتاحه بصورته الجديدة سوى نحو عام. واستمرت شراكة ترامب في الفندق حتى عام 1996م، حين باع حصته إلى مجموعة Hyatt التابعة لعائلة بريتزكر.

ومن ذلك الفندق الواقع على شارع 42 ليكسنغتون أفنيو (Lexington Avenue)، في قلب مانهاتن، بدأتُ مرحلة من حكايتي مع مدينة التفاحة الكبيرة «نيويورك» كما تعرف سياحيًا، ومدينة الجاز والصخب المنظم.

امتدت تلك المرحلة لثماني سنوات، وكانت بالنسبة إليَّ مدرسة مفتوحة وحياة موازية، أدركت فيها أنني دخلت إلى عالم جديد صنعت فيه أحلامي وبنيت منه طموحاتي، حيث عشت خلال تلك الفترة حياة التنوع البشري، وسرعة الإيقاع، والحرية، والحداثة، والموسيقى.

فقد كانت بضعة أشهر من التردد عليها كمضيف جوي كفيلة بأن أستكشفها وأتعرف على أهم ملامحها، وأقع في حبها وأندمج مع ثقافتها الفنية والاجتماعية.

فأصبحت أتنقل بين متاجر الأسطوانات، ومحال الآلات الموسيقية وأجهزة التصوير، وارتياد مسارح برودواي ودور السينما، ومحال بيع الكتب، وزيارة مكتبة نيويورك العامة، والمعالم والحدائق.

حتى تعرفت عن قرب على ثقافة موسيقية وشبابية كانت في ذروة تشكلها، من خلال الاستماع إلى محطات الـFM، وارتياد أعرق نوادي نيويورك الليلية العالمية: Studio 54 وRoseland وSilver Shadow، لمشاهدة أمهر راقصي الهيب هوب والبريك دانس والمشاركة في المنافسات غير الرسمية؛ أفراد ومجموعات تُفسح لها أرضية الرقص، وأخرى تدخل لتتحداها، وDJ يشعل الحماس، والجمهور يحيط بالمشهد مصفقًا.

لقد كان كل ذلك جزءًا من تكويني كشاب عشريني مزج في تلك المدينة بين ثقافتين: الإيقاع، والجرأة، والتجريب، والمنافسة، والبحث الدائم عن الجديد، وصناعة صداقات ممتدة.

حيث تعرفت على جيسن جرين، الذي كان يعمل نهارًا في متجر لبيع الكتب، بينما كان يشق طريقه ليلًا ممثلًا مسرحيًا ومغنيًا هاويًا. وامتدت صداقتنا إلى أن أشهر إسلامه بعد سنوات من علاقتنا، ومن خلاله اتسعت دائرة معارفي من العاملين في المجال المسرحي والموسيقى، ومنهم صديقه ميتش مارفن، الذي كان يعمل في مجال تسويق الأسطوانات والإنتاج الموسيقي، وأصبح لاحقًا مديرًا للموسيقى في سلسلة مطاعم هارد روك كافيه العالمية (Hard Rock Cafe).

وبدأت معه رحلتي في مجال المزج الموسيقي عام 1983م، بالتدرب في الاستوديوهات على مزج القنوات الصوتية، واستخدام المؤثرات، وإعادة بناء الأغنية بطريقة أكثر جاذبية، وجمعت بيننا صداقة امتدت عبر السنين.

ومن هنا بدأت مشروعي الموسيقي في جدة، ببناء مكتبة من الأسطوانات والأشرطة والتسجيلات التي كنت أجمعها من محطات نيويورك FM، وإنشاء استوديو صغير للمزج الموسيقي في منزلي بجدة لإنتاج الأشرطة، بالتعاون مع الصديقين طارق بدوي، ومحمد السعيد، رحمهما الله، وأطلقنا عليه BMB.

ثم تطور المشروع معنا بتأسيس استوديو تجاري خاص مجهز بأجهزة ومعدات من نيويورك، بعد انضمام كابتن طيار سمير كنو إلينا عقب إنهاء دراسته في أمريكا، وأطلقنا عليه «صوت العالم» (SOW) للمزج الموسيقي، وألحقنا به معملًا لنسخ الأشرطة بطاقة عشرين شريطًا في اللحظة الواحدة.

وكنا ننتج منوعات موسيقية، ونمزج الأنماط المختلفة، ونصمم الأغلفة، وأطبعها في بانكوك خلال رحلاتي إليها، ثم نطرح الأشرطة في الأسواق المهتمة بالموسيقى الغربية. فلاقت أشرطتنا رواجًا بين زملاء العمل وشباب جدة من محبي الموسيقى الغربية.

وهكذا عبرتُ بثقافة نيويورك الموسيقية معي إلى جدة.

وفي الأثناء نميت هوايتي في التصوير الفوتوغرافي الاحترافي، فكنت أستغل جانبًا من وقتي في نيويورك في تعلمه وممارسته والتقاط الصور.

وبذلك لم أكتفِ من نيويورك بالموسيقى فقط، بل انتقلت فيها إلى التصوير الفوتوغرافي الاحترافي، أتنقل بين شوارعها أوثق بعض أبرز أحداثها. ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي كنت فيه محظوظًا بتوثيق حفل لم شمل الجاكسون (The Jacksons Reunion) في قاعة Madison Square Garden، الذي أقيم ليلتي 4 و5 أغسطس 1984م، حيث احتشد عشرات الآلاف من عشاق الجاكسون في الشوارع المحيطة بالقاعة بعد أن امتلأت بالكامل.

لكن علاقتي بنيويورك تعرضت في تلك الفترة إلى منعطف لم يكن في الحسبان، ولم أكن مستعدًا له.

وذلك حينما افتتحت الخطوط السعودية قاعدة خارجية للمضيفين في نيويورك، خُصصت للمضيفين غير السعوديين، وبالتالي حُرمت من رحلاتي إلى نيويورك، المصدر الرئيس لهواياتي ومشاريعي.

وكان الطريق الوحيد الذي بقي أمامي للعودة إلى رحلاتها هو العمل طاهيًا جويًا، وهو أمر لم يكن متاحًا للمضيفين السعوديين.

وهنا وجدت نفسي أمام تحدٍّ جديد.

لم أكن أريد فقط أن أعود إلى نيويورك؛ كان عليَّ أن أقنع إدارة الخدمة الجوية أولًا بإتاحة الفرصة للسعوديين.

وبعد إصرار ومحاولات عدة، مُنحت الفرصة.

وبعد اجتيازي البرنامج التدريبي في أبريل 1985م، أصبحت أول طاهٍ جوي سعودي يعمل على رحلات الخطوط السعودية إلى نيويورك، وكان التحدي الأكبر الآن أن أثبت أن المضيف الجوي السعودي قادرًا على أداء مهمة الطاهي الجوي بالكفاءة والاحتراف نفسيهما.

وما بدأ بالنسبة إليَّ وسيلة للعودة إلى نيويورك تحول سريعًا إلى مهنة أحببتها وتعلقت بها، وعادت معها المدينة إلى جدولي بصورة أقوى؛ فأصبحت أؤدي نحو ثلاث رحلات شهريًا إلى نيويورك.

ومن ذلك الوقت أصبحت أعيش بين جدة ونيويورك، التي عادت لتعطيني ما وهبتني إياه.

وفي مرحلة أخرى من حياتي في المدينة، لم تعد نيويورك مجرد موسيقى وأصدقاء وعمل.

ففيها أيضًا عقدت زواجي على أم سندس مدنيًا وفق النظام الأمريكي، ثم ذهبنا بشهادة الزواج إلى مسجد كوينز لإجراء عقد النكاح وفق الشريعة الإسلامية.

وبذلك بدأت الموسيقى والرقص والمراقص تنسحب تدريجيًا أمام مسؤوليات الأسرة والعمل واهتمامات جديدة، ومنها تعليم زوجتي مبادئ الدين الإسلامي الذي اعتنقته حديثًا، والتدرج في نشاط دعوي بين أصدقائي من أهالي نيويورك.

وبمرور الوقت أتاح لي ترددي على نيويورك وفندقها جراند حياة التعرف على شخصيات ورجال أعمال بارزين، منهم الملاكم العالمي الراحل محمد علي كلاي، رحمه الله، وعائلته، ورجل الأعمال كين ديفيس (Ken Davis)، مؤسس شركة (Ken Davis Products, Inc) بصلصتها الشهيرة (Ken Davis Bar-B-Q Sauce).

وقد قضيت معه وأسرته أيامًا في نيويورك أثناء زيارتهم لها وإقامتهم في الفندق، وعندما علم أنني أعمل طاهيًا جويًا انصبت أحاديثنا على فنون الطهي وعرض الطعام وقصة إنشائه لشركته، لكن أهم ما لفت انتباهي عندما حدثني عن أصول فن الشواء، وأنه انبثق من التراث العربي القديم وليس من الغرب كما هو متداول. وأهداني منتجات من مصنعه ما زلت أحتفظ بها كذكرى جميلة.

كما أكسبتني مهنة الطاهي الجوي شهرة واسعة متنامية بين زملائي وإدارة الخدمة الجوية، التي اختارتني للترويج للخدمة الجوية، بتوسطي صورة ترويجية أرتدي فيها زي الطاهي، وتضم نخبة من المضيفين والمضيفات وعددًا من منسوبي الإدارة، وحملت شعارًا باللغة الإنجليزية:

COME ON INFLIGHT SERVICE, LET’S SHOW THEM HOW!

بمعنى: «هيا يا فريق الخدمات الجوية، لِنُرِهم كيف يكون التميز!».

ثم تُوجت تلك المرحلة بحصولي على لقب الطاهي الجوي المثالي لعام 1987م.

لكن في تلك الأثناء التي كنت أعيش فيها تلك النجاحات، وأمارس هواياتي ونشاطاتي الفنية، كان هناك ضيف ثقيل يرافقني ويسابقني كلما حاولت الهروب منه، وهو «التهاب الشبكية الصباغي الوراثي» الذي شُخصت به منذ سنوات قليلة، وكان لا يزال في مراحله الأولى، ولم أعره آنذاك ذلك القدر من القلق سوى ارتدائي نظارتي الطبية التي كانت تتغير درجتها كل سنة.

وكأن طريقين متعاكسين قد انطلقا في الوقت نفسه.

طريق يصعد بي مهنيًا، ويعيدني إلى المدينة التي أحببتها، ويوسع شهرتي ونجاحي؛ وطريق آخر يتحرك ببطء في الخلفية، ويأخذ شيئًا فشيئًا من قدرتي على ممارسة كل ما أحب.

فقد كانت معظم رحلات نيويورك ليلية، في الوقت الذي كانت أعراض المرض تتطور معي ببطء وتصبح أكثر إزعاجًا، خصوصًا ليلًا.

فقد أصبحت قيادتي لسيارتي الساب للذهاب إلى المطار ليلًا صعبة وتشكل خطورة عليَّ، كما أصبحت الحالة ملحوظة بين زملاء العمل الذين يعملون معي في الدرجة الأولى؛ صعوبة في الرؤية عند الانتقال المفاجئ من مستوى إضاءة إلى آخر، وعدم التعرف بسهولة على بعض الوجوه، وحوادث أثناء العمل.

وبدأت الصعوبة تمتد أيضًا إلى هواياتي.

في التصوير الفوتوغرافي، بدأت القدرة التي أعتمد عليها في التقاط التفاصيل تتأثر تدريجيًا.

وفي الاستوديو، أصبحت متابعة مؤشرات القنوات الصوتية أثناء المزج الموسيقي أكثر مشقة.

وهكذا لم يكن ضعف البصر يهدد وظيفتي وحدها؛ كان يقترب من عالم كامل صنعته لنفسي: الطيران، ومهنة الطاهي الجوي التي حاربت من أجلها، ونيويورك، والموسيقى التي انتشرت أشرطتها بين محبيها، والتصوير الفوتوغرافي.

وكنت قد ترددت على عدد من عيادات العيون في جدة، وإسبانيا، ومستشفى الملك خالد التخصصي.

وقد بدأ أصدقائي في نيويورك يلاحظون أنني أواجه مشكلة في الرؤية، ومنهم جيسن.

وبعد علمه ببحثي عن علاج في أكثر من مكان، وضع أملًا في أن أجد فرصة علاجية في نيويورك، فرتب لي موعدًا مع أحد أطباء العيون في إحدى رحلاتي إليها عام 1989م.

لكن الطبيب أكد لي ما كنت أخشاه: أن المشكلة لا يوجد لها علاج متاح، وأنها قابلة للتطور.

خرجت من العيادة قلقًا وحزينًا.

لم يكن خوفي من فقدان البصر وحده.

كنت أعرف أن هناك شيئًا آخر أصبح مهددًا: عملي على رحلات نيويورك، ونمط الحياة الذي أصبحت أعيشه.

بعد عودتي إلى جدة، ومناقشتي للأمر مع أم سندس، راجعت مرة أخرى مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون بمعزل عن الخطوط السعودية، فأبلغنا الطبيب بطريقة صدمت أم سندس وانعكست عليَّ سلبًا بأن حالتي البصرية قد تقدمت، وأنني دخلت في مرحلة العمى، وعليَّ البحث عن مستقبل جديد.

عدت إلى جدة بيأس وإحباط وحزن شديد، حملته إلى رئيس مجموعتي آنذاك محمد الجهني، رحمه الله، وأبلغته بالأمر.

في البداية ظنني مازحًا، فقال لي: لماذا لا تلبس نظارة طبية؟

لكنني كنت في حالة لا تحتمل المزاح، لما كنت أدركه من حجم الخسائر التي قد تترتب على هذا الأمر.

وفي نهاية المطاف أدرك أنني جاد، فأحالني إلى الخدمات الطبية، وبعد فحص طبيب العيون لي، أحال ملفي إلى اللجنة المختصة باللياقة الطبية، التي أصدرت قرارها بعدم لياقتي طبيًا للطيران، وتوقيفي عن العمل الجوي وإحالتي إلى عمل أرضي.

وبذلك حدث ما كنت أخشاه.

لا نيويورك ولا جراند حياة بعد اليوم.

ذلك الصرح الفاخر الذي أقمت فيه لأكثر من 150 مرة على مدى ثماني سنوات، وسطرت فيه واحدة من أجمل ذكرياتي مع مدينة التفاحة الكبيرة «نيويورك».

وبدأت مشكلتي البصرية تسلبني نمط حياة كاملًا بنيته على مدى سنوات؛ الطيران، ومهنة الطاهي التي أحببتها، والموسيقى، والتصوير، ونيويورك…

ولم تتوقف التداعيات عند عملي وهواياتي.

فقد كان فقداني للعمل الجوي يعني انخفاض دخلي الشهري، وهو ما استلزم التخلي عن شقتي الخاصة التي صنعت أنا وأم سندس منها تحفة فنية بما جمعناه من أسفارنا وتداخل ثقافتينا المختلفتين، والانتقال للعيش في بيت الأسرة الكبير، فضلًا عن التوقف نهائيًا عن قيادة سيارتي الساب التي أحببتها والتخلي عنها.

فبدأتُ واحدة من أصعب مراحل حياتي، والدخول في نفق مظلم واجهت فيه تحديات وصراعات مهنية واجتماعية، حتى خرجت منه بحكاية أخرى في نيويورك. لكن تلك حكاية أخرى من حكاياتي في سلسلة «رحلتي عبر السنين».

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 119
Share