ومرة أخرى جلست أمام مرآة الزمن، أستعيد مشهدي في مثل هذا اليوم، الثاني والعشرين من أغسطس عام 1979م، بعد سبعة أيام فقط من وصولي إلى بريطانيا وإقامتي بين ليفربول ومانشستر، في أول رحلة أخوضها بمفردي خارج الوطن.

وأجد اليوم صعوبة في التوقف عن الضحك كلما استعدت الفكرة التي كانت تسيطر على رأسي والمغامرة التي أقدمت عليها يومها.

قررت أن أغادر بيت خالي الدكتور فؤاد طاهر زمخشري، رحمه الله، في ليفربول، وأركب القطار متجهًا إلى مدينة «توركي» التي لا أعرف أين تقع، ولا أعرف فيها شخصًا يمكنني الاتصال به، وليس لدي عنوان أحد! كل ما أعرفه أن بعض شباب حارتنا الأكبر مني سنًا، ومن بينهم أبناء عائلة كنو، كانوا يقيمون هناك. وكانت خطتي أن أصل إلى وسط المدينة وأتجول في شوارعها، ومن المؤكد -بحسب منطقي يومها- أنني سأصادف واحدًا منهم!

حاول خالي ثنيي عن الفكرة، واقترح أن أبقى معهم لقضاء عيد الفطر، ثم ألتحق بمعهد للغة الإنجليزية في ليفربول، لكنني أصررت. فاستجاب لرغبتي، واصطحبني إلى محطة القطار، واشترى لي تذكرة إلى توركي، ثم ودعني.

وهكذا بدأت الحكاية.

جلست في عربة القطار شبه الممتلئة إلى جانب النافذة، وكان المقعد المجاور لي والمقعدان المقابلان شاغرة. وبينما كنت أترقب انطلاق القطار، سمعت ثلاثة شباب يبحثون عن مقاعد متجاورة، ومن حديثهم أدركت أنهم يمنيون.

وحين لم يجدوا ثلاثة مقاعد إلى جوار بعضها، سمعت أحدهم يقول بلهجته اليمنية:

«خلِّينا نقلس قنب الزنقي هذا!».

التقطت العبارة كاملة، ولم أحرك ساكنًا، وكأنني لم أفهم شيئًا. جلس أحدهم بجواري والآخران أمامي، وانطلق القطار.

وبعد فترة التقت عيني بعين أحدهم، فابتسم وسألني بالإنجليزية:

«من أين أنت؟».

فأجبته بالعربية:

«من السعودية».

ساد الصمت لحظة، وتبادل الثلاثة نظرات مرتبكة بعدما اكتشفوا أن «الزنقي» الذي تحدثوا عنه كان عربيًا وفهم كل ما قالوه!

شعروا بالحرج واعتذروا مني، وعرفوني بأسمائهم: زكريا ونجيب وسعيد، ثم سألوني إلى أين أنا ذاهب، فأخبرتهم أنني متجه إلى توركي.

سألوني:

«في أي معهد ستدرس؟».

قلت:

«لا أعرف بعد، فأنا وصلت من السعودية قبل أسبوع».

«وأين ستسكن؟».

وهنا جاء الجواب الذي كشف لهم حجم مغامرتي:

«لا أدري، فأنا ذاهب إلى توركي لأول مرة، وأعرف أن بعض شباب حارتنا موجودون فيها، ولعل أحدهم سيراني في مركز المدينة».

فضحكوا.

واليوم، بعد مرور سبعة وأربعين عامًا، أضحك معهم على تلك المغامرة التي أقدمت عليها، وكانت أشبه بمشهد من فيلم كوميدي منها إلى خطة سفر.

لكن نجيب لم يكتفِ بالضحك، بل قال لي إن ما أفعله مغامرة صعبة، خصوصًا أن لغتي الإنجليزية محدودة، ولا أعرف المدينة، ولا أملك عنوانًا لأحد.

ثم عرض عليَّ بديلًا لم يكن قد خطر لي:

«تعال معنا إلى برايتون. فأنا أدرس في معهد هناك، نسجلك معنا، ونساعدك في إيجاد سكن، فالمدينة جميلة وآمنة».

لم أحتج إلى وقت طويل للتفكير. فالجرأة كانت تهيمن عليَّ، خصوصًا بعدما تركت خلفي خالي في ليفربول، آخر خيوط الأمان العائلي في تلك الرحلة. وها أنا أذهب مع أشخاص تعرفت عليهم قبل قليل إلى مدينة لا أعرفها ولم أسمع عنها من قبل؛ بينما توركي، على الأقل، كنت أعرف اسمها من الحارة!

وعندما وصلنا إلى محطة مطار جاتويك، نزلت معهم وغيرت تذكرتي. وفي دقائق قليلة تحولت وجهتي من توركي إلى برايتون.

ركبت القطار الآخر معهم، وأنا لا أعرف أن هذا التغيير البسيط في اسم الوجهة سيصبح أحد أهم التحولات في حياتي.

ففي ظهيرة ذلك اليوم وصلنا إلى برايتون، وغادرنا المحطة متجهين إلى بيت نجيب

الذي أخبرني بأنه يسكن في شقة بشارع ووترلو بمدينة هوف وهي متصلة ببرايتون.

كانت الشمس مشرقة، والجو أكثر دفئًا، والمدينة نابضة بالحركة، ورجال ونساء بملابس صيفية زاهية الألوان. ولفتني انتظام الشوارع ونظافتها والبنايات المتراصة وهدوء حركة السيارات بصورة لم أعهدها من قبل.

وصلنا إلى شقة نجيب، وما إن فتح الباب حتى استقبلته فتاة إنجليزية حسناء بحرارة وعناق.

احمر وجهي خجلًا.

قدمني إليها:

«هذا توفيق من السعودية».

ثم قال:

«وهذه صديقتي فريدة».

تصافحنا والخجل يملؤني؛ فهي المرة الأولى التي أقع فيها على مشهد لم أعهده إلا في السينما، ومع ذلك قلت في نفسي:

«يا سلام يا ولد… هذه هي بريطانيا اللي تدور عليها!».

كان نجيب كريمًا معي واستضافني عنده، وفي صبيحة اليوم التالي اصطحبني إلى معهد «c/o School of English» الذي يدرس فيه، وسجلت فيه، وبعد تقييم مستواي اكتشفت للمرة الثانية أن سنوات الدراسة لم تمنحني المستوى الذي كنت أتصوره في اللغة الإنجليزية.

وهكذا بدأت رحلة تعلم مختلفة؛ فلم تعد اللغة مادة للحفظ والاختبار، وإنما أصبحت وسيلة سأحتاجها كي أعيش.

أما حياتي اليومية في برايتون، فقد بدأت فعليًا بعد عودتنا إلى شقة نجيب ذلك اليوم، الذي صادف حلول عيد الفطر المبارك، الذي سأقضيه هذه المرة بعيدًا عن جدة وأهلي وفي بلد غير إسلامي.

تقاطر أصدقاء نجيب اليمنيون على شقته بصحبة صديقاتهم الإنجليزيات، وبينما كان الخجل والصمت يلازمانني، انتقل المشهد فجأة إلى شيء لم أكن أتخيله؛ فقد افترش نجيب وأصدقاؤه وصديقاتهم الأرض حول سفرة كبيرة، وجيء بطبق دعوني إليه:

«تفضل معنا على غداء العيد، وجرّب هذه الصالونة».

كانت أول مرة أتعرف فيها على هذا الطبق اليمني الشعبي المصنوع من الدجاج والبطاطس والمرق. وجدت في نكهته شيئًا قريبًا من الإيدامات السعودية، وكأنه أعاد إليَّ شيئًا من مذاق الوطن.

وما أثار دهشتي أن صديقاتهم الإنجليزيات كن يتناولن الصالونة بالطريقة نفسها، وكأنهن اكتسبن شيئًا من عادات أصدقائهن اليمنيين.

وبذلك المشهد انتهى احتفالنا بالعيد، وإن كنت قد افتقدت فيه رائحة الدبيازة والكنافة والشعرية التي كانت تملأ بيوتنا في جدة صباح العيد، وجَمعَة الأقارب وزيارات الأصدقاء وتبادل المعايدات.

وفي اليوم التالي ساعدني نجيب والمعهد في استئجار شقة استوديو صغيرة في المبنى نفسه الذي يسكنه، من مالكتها السيدة «شماسة»، وهي إنجليزية يهودية من أصل عراقي تتحدث شيئًا يسيرًا من العربية.

كانت أول بيت أعيش فيه بمفردي.

أصبحت مسؤولًا عن إعداد إفطاري وقهوتي، وترتيب فراشي، وتنظيف مسكني، وإدارة مصروفي، والانتباه إلى عداد الكهرباء الذي يعمل بالنقود المعدنية. وكأنني دخلت مدرسة حياة جديدة.

وتعلمت أن أضع قارورة الحليب الفارغة أمام الباب، ليأتي عامل شركة الألبان صباحًا ويستبدلها بقارورة مملوءة. كما أدهشني أن الموقد يعمل عبر شبكة غاز عامة تمتد إلى المباني؛ فلا حمل لأسطوانة غاز فارغة واستبدالها بأخرى مملوءة، وكأنك محكوم عليك بالأعمال الشاقة!

كانت أشياء صغيرة، لكنها لشاب لم يكمل الثامنة عشرة دروسًا يومية في تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، خارج مناهج المعهد الذي أدخلني بدوره إلى عالم آخر: طلاب وطالبات من جنسيات مختلفة، ومدرسون يشجعوننا على الكلام حتى ونحن نخطئ، فلا سخرية من نطق كلمة، ولا إحراج لمن يعجز عن تركيب جملة.

ثم جاءت لحظة الإثارة غير المتوقعة، حين وزع المعهد علينا تذاكر مجانية لدخول مرقص (Top Rank Suite) على شاطئ برايتون، بهدف الاحتكاك بالناس وممارسة اللغة والتعرف إلى شيء من الثقافة المحلية.

غمرني الحماس؛ فهي المرة الأولى التي سأدخل فيها مرقصًا، ذلك العالم الذي طالما شاهدته في الأفلام وتمنيت أن أكون فيه.

وبينما كنت أقف في الطابور مع نجيب وفريدة، شد أحدهم ياقة جاكيتي من الخلف وهو يقول ضاحكًا:

«يا ولد، إيش تسوي هنا؟».

التفت بفزع، فإذا به طارق بدوي، رحمه الله، الذي كنت أعرفه معرفة سطحية من حارة البغدادية والمدرسة.

وكانت المفاجأة الأخرى أنه يسكن في المبنى المقابل لنا تمامًا!

دخلنا معًا، وقضينا الليلة نتبادل الأحاديث ونتعرف إلى بعضنا أكثر، بينما كنت أراقب الراقصين وأستمتع بالموسيقى وطريقة تشغيل الأغاني بتتابع دون توقف، وأستحضر فلمي «حمى ليلة السبت» و«جريس»، ورقص جون ترافولتا وأوليفيا نيوتن جون، اللذين كانا من الصور التي غذت في داخلي فكرة السفر إلى الغرب.

وغادرت المكان وأنا أقول في نفسي: سبحان الله! غادرت ليفربول بحثًا عن أبناء الحارة، فإذا بقطار يحولني إلى وجهة أخرى لألتقي بصديق آخر جمعتني به الصدفة البحتة التي لم يخطر ببالي أنها ستكون بداية صداقة عمر امتدت حتى بعد رحيله من دنيانا، وقادتني لاحقًا إلى صداقات وذكريات جميلة مع شقيه عبد الحميد بدوي، والصديق عمار شطا الذي أصبح فيما بعد مؤسسًا لشركة الخبير وعضوها المنتدب.

دعوت طارق إلى شقتي، وسمرنا سويًا، ورويت له قصة وصولي إلى برايتون، فضحك كثيرًا.

وفي صباح اليوم التالي حضرت السيدة شماسة لتتفقد الشقة كعادتها، وتعد الأكواب والأواني والشوك والسكاكين للتأكد من عدم نقصان شيء منها!

وحين اكتشفت وجود طارق غضبت، وقالت إنها أجرت الشقة لشخص واحد خصوصًا أن طارق كان يراقب ما تفعله ويضحك.

وبعد خروجها قال لي طارق:

«هذا جنان… وكيف صابر عليها؟ سيبك منها وتعال أسكن عندي».

وبالفعل، بعد نهاية الأسبوع أنهيت عقد الإيجار، وودعت نجيب وفريدة، وانتقلت للسكن مع طارق في شقته بالمبنى المقابل.

ومن هناك بدأت مرحلة جديدة من حياتي، أعدت فيها اكتشاف نفسي. تعلمت من الإنجليزية ما مكّنني من الاندماج في حياة المدينة، ودخلت عالم موسيقى ورقصات البوب، وما كان يتشكل آنذاك من أنماط الهيب هوب والراب، ولبست آخر صيحات الموضة، وكأنني واحد من شباب تلك المدينة، وكونت صداقات بريئة، وعشت حياة مراهقة حالمة.

لكن الأهم، من وجهة نظري اليوم، كان ما تعلمته من الحياة نفسها: معنى الالتزام بالنظام والطوابير، والأمانة في البيع والشراء، كأخذ ما احتاجه من الكشك ووضع النقود حتى لو لم يكن هناك بائع، وأن للحياة معنى أكبر بكثير مما حملته من صور في مخيلتي عندما غادرت جدة.

ذلك ما جعلني أفكر في مغامرة أخرى بالبقاء والعيش هناك، لكن محدودية مواردي أيقظتني من الحلم، فغادرت برايتون بعد خمسة أشهر ونصف، وأنا أحمل فكرة واحدة، وهي أن أجد وسيلة تعيدني إليها في أسرع وقت ممكن.

ولم أكن أعلم أن تلك الرغبة ستقودني بعد أشهر قليلة إلى تحقيق حلم طفولتي بدخول عالم الطيران، وأنني سأعود إلى بريطانيا بعد نحو تسعة أشهر، لا كيافع جاء يبحث عن المغامرة، بل شابًا يعمل في الخطوط السعودية وقد بدأ يشق طريقه المهني، ليقول لها بأنها لم تعد سوى محطة في عالم أكبر بدأ يفتح أبوابه أمامه.

واليوم، بعد سبعة وأربعين عامًا، أستعيد هذه الحكاية التي أفردت لها بابًا كاملًا في الجزء الثالث «على عتبة الحلم» من سلسلة «رحلتي عبر السنين»، فأجد أن ذلك القطار لم يغير وجهتي من توركي إلى برايتون فحسب، بل كان قطار تحول في حياتي.

ففي تلك الرحلة وجدت شيئًا من القول المنسوب إلى الإمام الشافعي:

«تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلى

وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ

تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ

وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِدِ».

وإذا كان لجيل اليوم شيء أستخلصه من مغامرتي تلك، هو أن الجرأة التي دفعتني يومها إلى ركوب قطار نحو مدينة لا أعرف فيها أحدًا ليست وصفة أدعو شابًا اليوم إلى تكرارها بحذافيرها؛ فبين المغامرة والتهور خيط رفيع. وإنما أدعوه إلى ألا يجعل الخوف من المجهول يمنعه من التعلم والتجربة والسفر وطلب العلم، بعد أن يأخذ بالأسباب ويعرف وجهته.

فقد خرجت يومها أبحث عن أبناء الحارة في توركي، ولم أصل إليهم.

لكنني وجدت في برايتون لغة جديدة، وأصدقاء جددًا، واعتمادًا على النفس، وحلمًا أعادني إلى حلم أقدم وهو الدخول في الطيران…

وتلك حكاية أخرى من «رحلتي عبر السنين».

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 1
Share