في صباح الأول من سبتمبر 2026م، رن هاتفي في جدة.
– ألو… أستاذ محمد؟
– مرحبًا.
– معك محمد، أكلمك من طرف الدكتور خالد. أعاني من التهاب الشبكية الصباغي، وأجريت عملية للمياه البيضاء، وأصبحت أواجه مشكلة في الخروج والتواجد في الأماكن العامة، وتوقفت عن قيادة السيارة.
سألته عن عمره، فأخبرني أنه في السادسة والثلاثين ويعمل مطورًا لنظم المعلومات.
قلت له: هل تتابع في عيادة عيون؟ وما مستوى إبصارك الآن؟
– أراجع، لكنني أواجه مشكلة عند الانتقال من مكان إلى آخر مختلف.
– وكم مجال الرؤية لديك؟
– لا أعلم.
– هل أجريت فحصًا لقياس مجال الرؤية؟
– أجريت كثيرًا من الفحوصات، لكنني لا أعرف لماذا كانت!
– وهل تعرف حدة إبصارك؟
– لا.
واصلت الحديث معه، وطرحت عليه مجموعة من الأسئلة المتعلقة بسلوكه البصري ووظائف إبصاره، وكانت إجاباته تؤكد لي الصورة التي بدأت تتشكل في ذهني.
وقلت له إن من الضروري أن يعرف مستوى حدة إبصاره ومجال رؤيته، وأن يحصل على تقييم متخصص لضعف البصر. ونصحته بمراجعة الدكتور هاني الرحيلي، فهو المتخصص الوحيد الذي أعرفه في جدة في مجال ضعف البصر، وقد عملنا سويًا في جمعية إبصار، كما نصحته بالتواصل مع الجمعية لاستطلاع ما لديها من خدمات، وببعض الإجراءات الفورية التي يمكن اتخاذها في بيئته المنزلية من أجل حياة أفضل.
فقال لي: «طوال هذه السنوات راجعت أكثر من مستشفى وعيادة، ولم يخبرني أحد بهذه المعلومات».
انتهت المكالمة، لكن عبارته الأخيرة بقيت في مسمعي.
فبعد أربعة وثلاثين عامًا من إحالتي إلى التقاعد المبكر عام 1992م بسبب تدهور بصري، كنت أسمع من رجل آخر الأسئلة نفسها التي كنت أبحث أنا عن إجابات لها مطلع التسعينيات.
وأعادني ذلك إلى الأيام التي كنت لا أزال أعيش فيها صدمة إحالتي غير المتوقعة إلى التقاعد المبكر، وأشعر وكأنني غارق في بحر من الظلام.
لكن قبسًا من مدينة نيويورك أضاء لي الأمل بعد أن ظننت أن صفحتها طويت من حياتي. فقد أصبح من الصعب السفر إليها بحكم انخفاض دخلي بنسبة 77% عن ما كنت أتقاضاه، وفقداني امتيازات تذاكر السفر المجانية والمخفضة والرعاية الطبية بسبب إحالتي إلى التقاعد المبكر.
وتبدأ الحكاية من صديق العمر العزيز، وشريكي السابق في مشروعنا الموسيقي، استوديو «صوت العالم» (SOW)، الكابتن الطيار سمير كنو، الذي كان واحدًا من الأصدقاء القريبين الذين تابعوا تطورات مشكلتي البصرية وتداعياتها. وفي تلك الفترة كان قد أصبح طيارًا على طائرات الخطوط السعودية من طراز بوينغ 368-747 التي تطير إلى نيويورك، وبذلك أصبح الجسر الوحيد الذي يربطني بتلك المدينة وبأصدقائي فيها.
وفي إحدى رحلاته إلى نيويورك، وبينما كان يتجول في مانهاتن، لفت انتباهه متجر يحمل اسم «لايت هاوس» Lighthouse، تُعرض فيه عصي للمكفوفين وبعض الأدوات والمساعدات الخاصة بالإعاقة البصرية.
وبحكم اهتمامه ومتابعته لما أمر به، دخل يسأل عما يمكن أن يساعدني.
شرح لإحدى العاملات حالتي، فاقترحت عليه أن يأخذ لي عصًا بيضاء قابلة للطي، وشريط فيديو إرشاديًا بعنوان Low Vision Work Sight «العمل مع ضعف البصر».
وربما لم يكن سمير يدرك يومها الأثر الذي سيتركه هذان الشيئان في حياتي.
فور عودته إلى جدة اتصل بي وقال إن لديه هدية خاصة لي.
زارني في المنزل، وحدثني عن المتجر، ثم سلمني العصا وعلبة الفيلم وبعض المطبوعات التي حصل عليها.
كانت العلبة أنيقة، مطبوعًا عليها اسم «لايت هاوس»، تضم داخلها شريط الفيديو في جانب، وفي الجانب الآخر مجموعة من الكتيبات؛ أحدها يحتوي النص المكتوب لمضمون الفيلم، وأخرى تقدم معلومات وإرشادات عن ضعف البصر.
حتى شكل تلك المطبوعات لفت انتباهي: ألوان متباينة، وحروف واضحة وكبيرة، وطريقة عرض مختلفة عما اعتدته.
شكرته وودعته.
وفي تلك الفترة كنت قد أنشأت في منزلي استوديو خاصًا للمزج الصوتي والمرئي بعد أن تحولت اهتماماتي من المزج الموسيقي إلى المزج الصوتي والمرئي.
شغّلت الفيديو. لم تتجاوز مدته عشرين دقيقة، لكنها كانت كافية لإحداث ثورة داخلية في نفسي.
فقد كان الفيلم يشرح مفهوم ضعف البصر، وبعض أسبابه، وكيف يستطيع الإنسان أن يستفيد مما تبقى لديه من إبصار من خلال تقييم البصر، والمساعدات البصرية والتكنولوجيا والتدريب، إضافة إلى إجراءات بسيطة يمكن اتخاذها في المنزل لتسهيل ممارسة الحياة اليومية.
لكن أكثر ما جذبني كان أربع تجارب ختم بها الفيلم.
معلمة واصلت التدريس رغم ضعف بصرها.
ومعلم رياضيات أصيب منذ طفولته بضعف بصري شديد، ومع ذلك أكمل تعليمه وأصبح مدرسًا.
ورجل أعمال واصل إدارة أعماله وممارسة هوايته في لعب الغولف.
ثم مدير فرع بنك يستخدم جهازًا مكبرًا للقراءة والكتابة وحاسوبًا ناطقًا ليواصل إدارة عمله والتعامل مع عملائه.
كنت أتابع تلك النماذج وأقارنها بما حدث معي.
أنا أيضًا كنت أعمل.
وكانت لدي خبرة مهنية امتدت سنوات.
لكنني عندما فقدت القدرة البصرية اللازمة للعمل الجوي، انتقلت سريعًا إلى عمل أرضي، وتفاقمت حالتي البصرية دون أن أحصل على أي تدريب أو إعادة تأهيل يمكنني من ممارسة عملي بصورة طبيعية مثل أولئك الذين شاهدتهم في الفيلم.
واختتم الفيلم بالشعار الذي أطلقته «لايت هاوس» في حملتها آنذاك:
Vision loss doesn’t mean job loss «فقدان البصر لا يعني فقدان العمل».
أعدت الفيلم ثلاث مرات متتالية، أستمع إليه من خلال مضخمات الصوت نفسها التي كنت أستخدمها لإنتاجي الموسيقي.
وكان، بالنسبة إليَّ، أجمل من كل ما مر عبر ذلك الاستوديو من موسيقى؛ لأنه لم يمنحني متعة عابرة، بل أكد لي أن أمامي فرصة لحياة أفضل، ومستقبلًا لم ينتهِ بعد.
وبدأت أقول في داخلي: هذا هو ما كان ينبغي أن يُفعل معي قبل أن تصبح إحالتي إلى التقاعد المبكر هي الحل.
ومن هنا عزمت على فعل ما أستطيع للطعن في قرار إحالتي إلى التقاعد ومحاولة العودة إلى العمل، ووضعت لنفسي هدفًا جديدًا: أن أعود إلى نيويورك، وأصل إلى «لايت هاوس»، وأحصل على التدريب والأجهزة التي رأيتها في الفيلم.
كنت أرى أن المهام التي يؤديها أولئك الأشخاص ليست أقل تعقيدًا من عملي كمدرب خدمة جوية؛ بل إن مهام ومسؤوليات مدير فرع بنك يدير عمله بالتقنيات المساندة كانت أكبر من كثير من مهامي ومسؤولياتي.
وفي الوقت نفسه، كانت قضيتي تتفاعل بين أصدقائي وأصدقاء الأسرة، ومن بينهم صديقات أم سندس الأمريكيات اللواتي كن يتابعن تطورات حالتي باهتمام.
وطلبت أم سندس من صديقتها كارين، أثناء قضائها إجازتها في أمريكا، أن تحضر لنا أي معلومات تجدها عن ضعف البصر.
وبالفعل عادت وهي تحمل كتيبًا صادرًا عن الجمعية الأمريكية للمكفوفين American Foundation for the Blind – AFB بعنوان Low Vision: Questions and Answers «ضعف البصر… أسئلة وأجوبة».
كان الكتيب أكثر تفصيلًا.
شرح التعريف الطبي لضعف البصر، والفرق بينه وبين العمى، وأسبابه، وعرض صورًا تحاكي كيف يرى الأشخاص المصابون بأنواع مختلفة من ضعف البصر، ثم تناول الحلول والإجراءات والخدمات المتاحة، ونماذج من الأجهزة التعويضية والتقنيات المساندة التي يمكن لضعاف البصر الاستفادة منها.
وهكذا تجمعت أمامي خلال فترة قصيرة ثلاثة خيوط:
فيلم جاءني من «لايت هاوس».
ومعلومات من الجمعية الأمريكية للمكفوفين.
وتجربتي الشخصية التي كانت تقول لي إن ما أحتاجه ربما لم يكن مزيدًا من الحديث عن المرض، بل معرفة كيف أعيش وأعمل بما تبقى لدي من إبصار.
وعادت نيويورك إلى تفكيري، وأصبحت العودة إليها هدفًا؛ لكن ليس للذهاب إلى متاجر الأسطوانات والاستوديوهات والتصوير والنوادي والمسارح، ولا حتى «جراند حياة» الذي عشت فيه جانبًا من أجمل سنوات عملي، بل لزيارة مركز «لايت هاوس»، ونقل فكرة «وجبة الراكب الكفيف» إليهم.
وبعد عامين مليئين بالتحديات والمصاعب، حققت هدفي وعدت إلى نيويورك في صيف عام 1994م، للمرة الأولى منذ إحالتي إلى التقاعد.
لكنني لم أكن الرجل نفسه الذي كان يصل إليها قبل سنوات مرتديًا زي الطاهي الجوي، أو يحمل كاميرته في شوارع مانهاتن، أو يبحث عن أحدث الأسطوانات والأجهزة الموسيقية.
عدت إليها هذه المرة أحمل عصاي البيضاء وأسئلة كثيرة عن مستقبلي.
وأقمت عند صديقي جيسن جرين، الذي عرفته منذ سنوات نيويورك الأولى، وكان من أصدقائي الذين تابعوا ما طرأ على حياتي وحالتي البصرية.
وكان أول ما فعلناه أن تواصلنا مع «لايت هاوس».
أرسلوا لي نموذجًا يتطلب تعبئته من إحدى عيادات العيون، يتضمن التشخيص الطبي، وحدة الإبصار، ومجال الرؤية، ثم يعاد إليهم لتحديد موعد في عيادة ضعف البصر.
وأخيرًا جاء الموعد.
كانت أم سندس قد وصلت من زيارة أهلها في ولاية مين ومعها ابننا سندس، الذي كان في الثانية من عمره. تركناه مع جيسن، الذي أخذه في جولة بين شوارع مانهاتن ومترو الأنفاق، وكأنه يعيد معه شيئًا من جولاته القديمة معي.
أما أنا وأم سندس فتوجهنا إلى «لايت هاوس».
ومنذ دخولي المبنى شعرت أنني أمام مكان مختلف.
مبنى يساعدك على أن ترى
كان المبنى يرتفع خمسة عشر طابقًا، ومن الوهلة الأولى لفتتني طريقة استخدام الألوان والتباين.
الأرضيات والجدران وإطارات الأبواب والمصاعد والسلالم لم تكن مجرد عناصر ديكور، بل بدت وكأنها ترسم الطريق أمام ضعيف البصر.
كانت هناك ألوان متباينة بوضوح عند الزوايا والممرات، وأرقام وحروف كبيرة وبارزة، وإشارات بصرية ولمسية تساعد على تحديد الاتجاه.
حتى الإضاءة لم تكن قائمة على زيادة شدتها فقط، بل على التحكم فيها وتقليل الوهج والاستفادة من التباين.
أما المصاعد فكانت مزودة بأزرار كبيرة وبارزة، وتعليمات ورسائل صوتية كنت أسمعها أثناء تنقلي في المبنى، تخبر المستخدم بالطابق وحالة الباب والاتجاه، إلى جانب نغمات رنين متباينة تساعد على التوجيه.
لم أكن أعرف يومها مصطلحات «التصميم الشامل» و«البيئة الميسرة» كما عرفتها لاحقًا.
لكنني كنت أراهما مطبقين أمامي.
صعدنا إلى عيادة ضعف البصر.
هناك خضعت لساعات من الفحوص والاختبارات مع طبيب عيون اسمه «كيم»، ثم امتد التقييم إلى الجوانب البصرية والاجتماعية المرتبطة بقدرتي على ممارسة الحياة اليومية والعمل.

وأظهرت الفحوص أن حدة إبصاري بلغت 400/20، وأنني أصبحت في حكم الكفيف قانونيًا، مع وجود قدر من البصر يمكن الاستفادة منه باستخدام المساعدات المناسبة.
ووصف لي الطبيب نظارة ملونة خاصة تساعد على تحسين الصورة المتبقية وتقليل الوهج، وعدسات مكبرة للقراءة والكتابة، وتلسكوبًا جيبيًا لقراءة اللافتات البعيدة، وبلغت تكلفة ما وصفه لي نحو 800 دولار.

لكن أكثر لحظات الفحص إثارة جاءت عندما أعطاني الطبيب المكبر اليدوي الذي وصفه لي، وطلب مني أن أضع تحته بطاقتي الائتمانية. وباستخدام النظارة والإضاءة والمكبر، استطعت للمرة الأولى منذ أكثر من عامين أن أقرأ بنفسي اسمي وبيانات بطاقتي.
اغرورقت عيناي بالدموع.
وعندها نغزني الطبيب بسبابته على صدري وقال: «إن العمى هنا».
لم أنس تلك العبارة.
فهمت أنه لا ينكر ما أصاب عيني، وإنما يريد أن يقول لي إنني تعاملت مع ما فقدته وكأنني فقدت كل شيء، بينما كان هناك جزء من البصر لم أتعلم بعد كيف أستخدمه.
ثم جعلني أجرب جهاز التكبير الإلكتروني CCTV الذي كنت قد قرأت عنه في كتيب AFB، وإذا بي أقرأ بيسر صفحات من كتاب، وأكتب وأتابع ما يظهر أمامي على الشاشة.
كانت لحظة يصعب أن أصفها.
فالقراءة بالنسبة لي لم تكن مجرد رؤية حروف.
كانت معرفة.
وكانت كتابة.
وكانت عملًا.
وكانت احتمالًا بأن حياتي المهنية ربما لم تنتهِ بعد.
فقد كان عدم القدرة على القراءة والكتابة أحد أسباب الحكم بعجزي عن العمل.

خرجت من العيادة وأنا أدرك بصورة عملية أن بين الإبصار الكامل والعمى مساحة واسعة من الإمكانات، وأن السؤال ليس فقط: كم فقد الإنسان؟
بل أيضًا: كيف يستطيع استخدام ما بقي لديه؟
وبعد انتهاء موعد العيادة، توجهنا إلى مكتب الدكتورة ماريان لينج، رئيسة البرامج الدولية في «لايت هاوس»، التي كنت قد رتبت معها موعدًا مسبقًا وراسلتها للتعريف بفكرة «وجبة الراكب الكفيف» ورغبتي في نشرها لدى الجهات العالمية العاملة في مجال الإعاقة البصرية.
رحبت بنا، وثمنت حضوري خصيصًا من السعودية للحصول على الخدمة، وأخبرتني أنني أول زائر يأتيهم من العالم العربي لهذا الغرض، ثم اصطحبتنا في جولة على مرافق المركز.
دخلنا العيادات وقاعات التدريب وأقسام التأهيل ومركز التكنولوجيا. وفصول تعليمية للأطفال ضعاف البصر متعددي الإعاقة.
وخلال الجولة دخلنا أحد الفصول، وكانت هناك فتاتان من إثيوبيا تتلقيان تدريبًا على استخدام الحاسب الآلي الناطق.
وما إن دخلنا حتى أضيئت الأنوار.
سألتهما ماريان: ما بالكما تدرسان في الظلام؟
قالت إحداهما إن النور كلما جلستا وانهماكتا في الدراسة ينطفئ، وكلما قامتا لإشعاله عاد وحده.
ابتسمت ماريان واعتذرت منهما لأن أحدًا لم يوضح لهما أن نظام الإضاءة والتكييف في المبنى يعمل بالحساسات؛ فإذا توقفت الحركة فترة ظن النظام أن المكان خالٍ، فأطفأ الأنوار والتكييف، لذا كان عليهما أن تحدثا أي حركة بين حين وآخر.
كان ذلك تفصيلًا صغيرًا، لكنه بالنسبة إليَّ كان مثالًا آخر على مكان يفكر في البيئة نفسها بوصفها جزءًا من التأهيل.
وبانتهاء جولتنا عدنا إلى مكتبها، وعقدنا جلسة علاقات عامة بدأت بتعريفنا بتاريخ «لايت هاوس الدولية»، وهي منظمة غير ربحية تأسست عام 1905م على يد الأختين وينيفرد وإيديث هولت، وسُجلت رسميًا في العام التالي باسم جمعية نيويورك للمكفوفين The New York Association for the Blind. وارتبطت المؤسسة منذ بداياتها بهيلين كيلر، وأصبح اسم «لايت هاوس» – المنارة – رمزًا لفلسفة تتجاوز الإحسان إلى الاستقلالية.
وخلال العقود التالية تطورت المؤسسة، وكانت عام 1953م من أوائل المؤسسات الأمريكية التي افتتحت خدمات وعيادات متخصصة لضعف البصر، وصولًا إلى هذا المقر العصري الذي أعيد تطويره عام 1994م وفق فلسفة معمارية جعلت المبنى نفسه جزءًا من منظومة خدمة ضعاف البصر.
وقد انعكست تلك الفلسفة فيما رأيته بنفسي من تهيئة المكان بسهول الوصول الشامل وصولًا إلى حساسات الحركة والأنظمة الآلية التي شاهدنا أثرها قبل قليل في غرفة التدريب.
ثم انتقل حديثنا إلى الإعاقة البصرية، فتحدثت عن فكرة «وجبة الراكب الكفيف». وامتد النقاش، وفهمت منها أن فلسفة «لايت هاوس» تقوم على دمج المكفوفين وضعاف البصر في المجتمع، وتطوير الخدمات والبيئة بحيث يستطيعون استخدامها مع الآخرين باستقلال وكرامة، لا أن نصنع للشخص ذي الإعاقة عالمًا منفصلًا.
وهنا خرجت بفكرة ستؤثر لاحقًا في كثير مما عملت عليه.
حتى فكرة «وجبة الراكب الكفيف» بدأت تتغير في ذهني.
لم يعد السؤال: كيف نصنع وجبة خاصة للكفيف؟
بل: كيف نصمم الخدمة بحيث يستطيع الكفيف استخدامها دون أن نعزله أو نميزه عن بقية الركاب؟
ودعتنا ماريان، وفي طريقنا إلى المصعد عرّفتنا بطاقم إدارتها. وما أثار انتباهي أنه، رغم كبر المبنى وعدد الموظفين، كان يتسم بهدوء لافت؛ فلا تكاد تسمع همسًا، فالكل منهمك في عمله.
وقبيل مغادرتنا المبنى توقفنا في المتجر بالطابق السفلي.
اشتريت عصًا بيضاء إضافية، وورقًا للكتابة مخططًا بأسطر سوداء داكنة، وقلمًا مناسبًا لضعاف البصر، وسلسلة مفاتيح بساعة ناطقة من إنتاج لايت هاوس.

خرجنا إلى شوارع مانهاتن.
عادت أم سندس إلى ولاية مين، وبقيت عدة أيام مع جيسن، ثم عدت مرة أخرى إلى «لايت هاوس» لجلسة إرشادية مع الأخصائي الاجتماعي لبحث فرص حصولي على برنامج تدريب وآليات تمويله، والالتقاء بمدرب التكنولوجيا للتعرف على الأجهزة المساندة التي أحتاج إليها وكيفية استخدامها وتكاليفها.
وهكذا انتهت زيارتي إلى «لايت هاوس»، بعد أن اكتشفت أنني لم أكن أمام مجرد مركز يقدم خدمات للمكفوفين، بل أمام منظومة كاملة: تقييم للبصر، وإرشاد وتوجيه، وتدريب على الحياة اليومية، وتأهيل للعمل، وتكنولوجيا مساندة، وأجهزة للقراءة والكتابة، وتدريب على الحاسوب، وتهيئة للمكان تساعد الإنسان على الحركة والاستقلال.
كنت أنا ومن هم في مثل حالتي في أمس الحاجة إليها.
لقد تركت تلك الزيارة فيَّ شيئًا لم أكن قد جئت من أجله.
دخلت أبحث عن حل لحالتي البصرية، وخرجت بحلول وتساؤلات وما هو أكبر من ذلك بكثير.
خرجت ببعض الأدوات والمساعدات البصرية، وبأسئلة أكبر:
متى أستطيع الحصول على الأجهزة التي أحتاج إليها؟
وكيف وأين سأتدرب عليها لأعود إلى عملي بصورة طبيعية؟
وهل سيأتي يومًا أنقل فيه شيئًا من هذه الخدمات إلى جدة، كما نقلت إليها يومًا موسيقى نيويورك؟
ولعل مكالمة الشاب محمد، بعد اثنين وثلاثين عامًا من تلك الزيارة، هي التي أعادت إليَّ ذكرى أول زيارة لمركز «لايت هاوس الدولية» لخدمات ضعف البصر؛ المنظمة التي تغير اسمها منذ عام 2014م إلى Lighthouse Guild بعد اندماجها مع Jewish Guild Healthcare، ثم انتقلت عام 2018م إلى مقرها الجديد في 250 شارع 64 الغربي بمانهاتن، ، الذي أصبح أكثر تطورًا في توظيف التكنولوجيا المساندة؛ من المكبرات الإلكترونية والحواسيب والنظارات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، إلى تقنيات تحويل النصوص إلى كلام والتعرف على الوجوه والعملات والواقع الافتراضي، فضلًا عن تقنيات المنزل الذكي التي تتيح التحكم الصوتي في الإضاءة والأجهزة ومرافق الحياة اليومية؛ لتظل الفلسفة التي رأيتها عام 1994م حاضرة، ولكن بأدوات عصر جديد.
وللمفارقة، لم أكن أتخيل أن الأقدار ستعيدني إلى ذلك المكان بعد تسع سنوات من تلك الزيارة. لأكون في ذات المكان على رأس فريق طبي كنواة لمشروع مشترك بين «إبصار» و«لايت هاوس» لتأسيس أول مركز متكامل في الشرق الأوسط متخصص في خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل الشامل، وتدريب المختصين في المجال.
وكانت الدكتورة ماريان لينج وزميلتها كارين سيدمان، مديرة التعليم المستمر، المستشارات التنفيذيات للمشروع الذي تطور لاحقًا إلى جمعية إبصار الخيرية للتأهيل وخدمة الإعاقة البصرية، التي أمضيت خمسة عشر عامًا في إدارتها.
وتلك حكاية أخرى من «رحلتي عبر السنين».
لكن السؤال الذي بقي معي منذ مكالمة محمد صباح ذلك اليوم هو: كم إنسانًا ما زال يحتاج اليوم إلى أن يعرف أن فقدان البصر لا يعني فقدان الحياة… ولا فقدان العمل؟
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.