مثّل الثامن من أغسطس عام 1996م واحدًا من أهم المنعطفات التي غيرت مجرى حياتي؛ ففي ذلك اليوم وطئت قدماي للمرة الأولى مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية، التي يرتبط اسمها بلغة شعب الداكوتا والمياه، وتشتهر بطائر Common Loon المعروف عربيًا بـ«الغوّاص الكبير».

وصلت إليها قادمًا من مدينة بوسطن للالتحاق ببرنامج «الاستقلالية المتكاملة» في معهد BLIND, Inc.، التابع آنذاك للاتحاد الوطني للمكفوفين National Federation of the Blind (NFB).

والحقيقة أنني سجلت في البرنامج على مضض؛ فقد كنت أرفض أن أنتمي إلى عالم المكفوفين، وأصر على أنني ضعيف بصر، ولست كفيفًا. وكان كل ما أريده في ذلك الوقت هو الحصول على جهاز مكبر إلكتروني وبعض التقنيات المساندة والتدرب على استخدامها، ثم تكرار المحاولة للعودة إلى عملي في الخطوط السعودية، ومواصلة تطوير فكرة «وجبة الراكب الكفيف» التي كنت قد قدمتها وأسهمت في تنفيذها.

أما قصة التحاقي بذلك البرنامج، فتعود إلى زوجتي السيدة جينا شوكلي «أم سندس»، التي كانت تمر آنذاك بحالة من الإحباط واليأس بسبب ظروف إحالتي إلى التقاعد، وما ترتب عليها من آثار، إلى جانب انتظارنا نتائج عمليات القلب المفتوح لابننا سندس، وعدم تأكد نجاحها، فقررت أن تمضي بعض الوقت مع أسرتها في ولاية مين.

وفي الأثناء، صادف أن قرأت ذات صباح لقاءً صحفيًا مع ناشطة أمريكية تدعى «كوني»، كانت كفيفة بسبب إصابتها بالتهاب الشبكية الصباغي. وتحدثت في اللقاء عن الاتحاد الوطني للمكفوفين وبرامج الاستقلالية التي يقدمها، وأهميتها للمكفوفين.

حصلت أم سندس على رقمها من الصحيفة، وتواصلت معها، ودار بينهما حديث مطول عن حالتي. فنصحتها بضرورة التحاقي ببرنامج إعادة التأهيل؛ لأن الاعتماد على ما تبقى من بصري وحده لن يكون كافيًا، وأن عليَّ أن أتهيأ من ذلك الوقت لاحتمال فقدان البصر بالكامل، فالمكبر الإلكتروني قد يساعده ما دامت لديه بقية من البصر، لكنه لن يكون بديلًا عن اكتساب مهارات يستطيع الاعتماد عليها إذا فقد بصره بالكامل.

وعلى الفور اتصلت بي أم سندس، وأخبرتني بما دار بينهما، وأنها ستسجلني في البرنامج، وعليَّ أن ألتحق به رغم تكلفته الباهظة.

لم أكن مقتنعًا، ولكن تقديرًا للظروف التي كانت تمر بها قررت إرضاءها، ودبرت أمري، وخلال أسابيع كنت في الولايات المتحدة، ثم وصلت إلى منيابوليس للالتحاق بالبرنامج.

منذ وصولي بدأت أشعر بأنني مقبل على تجربة مختلفة تمامًا عما عرفته من قبل.

تسلمت الشقة التي سأقيم فيها بمفردي، وكان يساورني شيء من القلق؛ فأنا في مدينة جديدة لا أعرف فيها أحدًا، وأمام تجربة لم أكن أعلم إلى أين ستقودني.

وفي ذلك اليوم اصطحبني «دون»، المسؤول عن شؤون المتدربين في المعهد، إلى أحد المطاعم. جلسنا إلى المائدة، ثم سألني فجأة:

هل تستطيع أن تميز بين علبة الملح وعلبة الفلفل الأسود دون أن تسكب شيئًا منهما في يدك أو تشمه؟

حاولت، ولم أعرف.

فقال لي: أمسك العلبتين وقارن بينهما.

فعلت، ولاحظت أن إحداهما أثقل من الأخرى.

قال: خمن أيهما الملح؟

قلت: الأثقل.

قال: صحيح. ثم سألني: هل تعرف لماذا؟

قلت: لا.

فشرح لي ببساطة إن للملح خصائص كيميائية تجعله يتأثر بالرطوبة ويحتفظ بجزء منها، بخلاف الفلفل، فضلًا عن اختلاف طبيعة وكثافة محتوى كل منهما. ثم قال لي إن كل شيء من حولنا له خصائص تميزه؛ فالملح له خصائصه، والفلفل له خصائصه، والأشياء التي خلقها الله في هذا الكون تحكمها منظومة وقوانين يمكن أن نتعلمها ونستفيد منها.

وهذا جوهر فكرة إعادة التأهيل. ومن الآن فصاعدًا، عليك أن تتعلم كيف تكتشف خصائص الأشياء من حولك، وكيف تستخدم حواسك الأخرى والوسائل البديلة لتتعامل معها في حياتك اليومية دون الاعتماد على بصرك. هناك أدركت أنني مقبل على علم جديد تمامًا، لم أكن أعرفه.

وفي صبيحة اليوم التالي، جاء دون واصطحبني إلى المعهد للمرة الأولى.

وما إن وصلنا حتى وجدت نفسي أمام قصر عتيق بطرازه الكلاسيكي، يختلف تمامًا عن مبنى مركز «لايت هاوس» العصري والتقني ذي الأربعة عشرة طابقًا الذي عرفته في نيويورك خلال زيارتي السابقة عام 1994م.

فقد كان مقر المعهد في الأصل قصرًا تاريخيًا لعائلة بيلسبري، إحدى أشهر العائلات التي ارتبط اسمها بصناعة الدقيق في منيابوليس، قبل أن يتحول إلى مقر للمعهد. بقاعاته وسلالمه العتيقة ومنحوتاته وأعماله الخشبية المنتشرة في أرجائه، كان يحتفظ بجمال يعيدك إلى زمن مضى، بينما ما يجري داخله ينتمي إلى فلسفة حديثة في تدريب المكفوفين وتأهيلهم للاستقلال.

وكانت أول من استقبلتني «جويس اسكرملن»، مديرة المعهد، وهي أيضًا كفيفة نتيجة إصابتها بالتهاب الشبكية الصباغي. رحبت بي وأخبرتني أنني أول عربي ينضم إلى الاتحاد ويلتحق بالمعهد، ثم أخذتني في جولة للتعرف على مرافقه.

كنت منبهرًا بحركتها، وإدراكها لتفاصيل المكان، ومعرفتها بكل من فيه.

وبدأت بيئة المعهد وأسلوب التعامل فيه يذيبان شيئًا فشيئًا ذلك الجليد الذي صنعته حول نفسي، ومعه شيء من كبريائي ورفضي الانتماء إلى عالم المكفوفين.

فقد وجدت أمامي رجالًا ونساءً من أعمار مختلفة، يتعلمون ويتحركون ويديرون شؤونهم بطريقة لم أكن أعرفها.

ومن خلال تجربتي السابقة في مركز «لايت هاوس» بنيويورك، ثم ما وجدته هنا، أدركت أن المكفوفين في الولايات المتحدة يحصلون على خدمات تدريب وتأهيل في بيئات متقدمة وعلى أرقى المستويات.

لكن أكثر ما أثار انتباهي أن المتدربين كانوا يمارسون تدريباتهم معصوبي الأعين.

وأُبلغت بأن عليَّ منذ ذلك الوقت ارتداء عصابة العين خلال التدريب، من مغادرتي الشقة حتى عودتي إليها، وأن ذلك أحد شروط البرنامج الأساسية التي يتعين عليَّ الالتزام بها، حتى أتعلم الاعتماد على الوسائل غير البصرية بدل الاتكاء على ما تبقى لديَّ من بصر.

وبدأت أتعرف يومًا بعد يوم على أشخاص غيروا مفهومي للإعاقة البصرية.

كان من بينهم مدربي في التوجه والحركة رَسِل أندرسون، وهو رجل كفيف يعرف مدينة منيابوليس، ولا أبالغ إن قلت، شارعًا شارعًا. وكان يقودنا فيها بثقة تجعلني أتعجب كيف يستطيع رجل لا يبصر أن يعرف كل هذه التفاصيل. كنت أقضي معه ساعتين أمشي في شوارع المدينة وأنا معصوب العينين مستخدمًا العصا البيضاء. ولم يكن الأمر سهلًا عليَّ في البداية على الإطلاق.

ومن أبرز من التقيتهم أيضًا شابًا يدعى «لاري»، في الرابعة والعشرين من عمره، فقد ساقيه وبصره، ومع ذلك كان يتنقل بكرسي كهربائي ويستخدم العصا البيضاء، وقد أنهى عدة أشهر من البرنامج وكان يواصل تدريبه بعزيمة لافتة.

كنت أستمع إلى قصته وأراقب ما يستطيع القيام به، وأسأل نفسي: إذا كان هذا الشاب قد فقد بصره وساقيه، ومع ذلك يتعلم كيف يدير حياته ويتحرك باستقلالية، فما الذي يمنعني أنا؟

وبعد أسبوعين فقط، بدأت أولى خطواتي الحقيقية في استخدام العصا البيضاء. أصبحت أغادر شقتي بمفردي، وأسير إلى محطة الحافلات، وأستقل الحافلة إلى المعهد دون أن أطلب المساعدة من أحد.

وكان من تقاليد البرنامج أن يقدم أحد المشاركين في نهاية كل أسبوع قصة نجاح ملهمة.

وحين طلب مني أن أحكي قصتي، شعرت بالحرج من أن أقف أمامهم وأقول إنني أُحلت إلى التقاعد المبكر من عملي في الخطوط السعودية، بينما كنت أستمع كل يوم إلى تجارب أناس يواجهون ظروفًا قاسية ويواصلون حياتهم.

فاخترت بدلًا من ذلك أن أحدثهم عن الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وعن مكانته في الإسلام، وما روي عنه أنه لقب بشهيد القادسية وقال لأصحابه إنني كفيف اجعلوني أحمل الراية بينكم، وعن تكريم النبي صلى الله عليه وسلم له.

أبهرتهم القصة رغم اختلافها عن ثقافتهم، فقد أعجبهم كيف أنه اختار لنفسه ما يستطيع أن يقوم به ولم يختاروا له ما يفعله.

وقبيل نهاية الشهر، كنت قد صنعت بيدي في ورشة النجارة طاولة خشبية صغيرة بأربع أرجل دائرية، وطبخت وجبة كاملة وأنا معصوب العينين.

ثلاثون يومًا فقط كانت كافية لأكتشف أن المشكلة لم تكن في فقدان البصر وحده، بل في الطريقة التي كنت أنظر بها إليه.

تعلمت أن الاستقلالية تبدأ بالوعي والعلم، والممارسة، وأن كثيرًا مما يؤديه الإنسان معتمدًا على عينيه يمكن أن يؤديه بوسائل بديلة إذا تعلمها وتدرب عليها، وأن الإنسان يستطيع أن يعوض جانبًا مما فقده عندما يعرف كيف يوظف ما بقي لديه من حواس وقدرات.

لكن من أهم ما تعلمته هناك كان الجانب الإنساني.

فعندما شارف الشهر الأول على الانتهاء، قررت العودة إلى المملكة للبحث عن تمويل أستطيع به إكمال البرنامج، الذي كانت مدته تتراوح بين ستة وتسعة أشهر، بتكلفة ثلاثة آلاف دولار شهريًا، وهو مبلغ كان يعادل نحو ثلاثة أضعاف راتبي التقاعدي.

والمبلغ الذي بقي معي لم يكن يكفي لتسديد كامل رسوم الشهر الذي قضيته.

أخبرت جويس، مديرة المعهد، بأنني لا أملك المبلغ الكافي لتسديد الرسوم المتبقية.

فقالت لي بكل بساطة:

«لا بأس. إذا استطعت، سدد فقط إيجار الشقة، وهو 600 دولار، لأنها ليست تابعة للمعهد، وعندما تعود إلى السعودية أرسل لنا بقية المبلغ.»

فسألتها: ألا تريدون مني توقيع تعهد؟ أو الاحتفاظ بصورة من جواز سفري؟

قالت:

«لا… نحن نثق بك.»

كانت عبارة قصيرة، لكنها بقيت معي سنوات طويلة. فعندما أصبحت فيما بعد على رأس إدارة جمعية إبصار، التي تعود جذور فكرتها إلى ما خرجت به من تلك التجربة، كنت كلما وجدت موظفًا يبالغ في مطالبة أحد المستفيدين بالمستندات لإثبات عدم قدرته، من فاتورة كهرباء أو عقد إيجار وغيرهما، أطلب منهم تسهيل الإجراءات، وأروي لهم قصة المعهد الذي وثق بي وأنا غريب قادم من بلد آخر.

ومن المفارقات المضحكة المبكية أنني تعرضت بعد خروجي من جمعية إبصار للانتقاد والمساءلة لأنني كنت، بحسب ما قيل، «أتساهل» مع بعض المستفيدين، وأوجه بتعجيل تقديم الخدمات لهم حتى عندما لا تتوافر لديهم جميع المستندات المطلوبة لإثبات عدم قدرتهم. ولم أكن أرى ذلك تساهلًا بقدر ما كنت أراه درسًا تعلمته في منيابوليس: إن الإنسان يأتي أولًا، وأن الإجراءات وُضعت لخدمته، لا لإغلاق الأبواب في وجهه.

وعلى أي حال في الأسبوع الرابع، خرجنا في رحلة جماعية إلى نهر المسيسيبي. وقفت أستمع إلى أحد العاملين وهو يشرح لنا آلية الأهوسة المائية، وكيف تدخل السفن إليها فيرتفع أو ينخفض مستوى الماء لتمكينها من الانتقال بين مستويين مختلفين من النهر.

كنت هناك وسط عشرات المكفوفين الذين يتحركون باستقلالية، وأنا معصوب العينين، أستمع إلى شرح حركة الأهوسة، وهدير المياه وأصوات المكان، وأبني في مخيلتي المشهد من حولي. وفي تلك اللحظة شعرت بشيء يشبه الانتصار على الظلام. لم أكن قد استعدت بصري، ولم تتغير حالتي الطبية، ولم يعد إليَّ عملي الذي فقدته؛ لكن الذي تغير كان أنا.

وهناك أيقنت أن المشكلة الأكبر لم تكن في قرار إحالتي إلى التقاعد المبكر، وإنما نقص الوعي بفلسفة إعادة تأهيل المكفوفين، وكيف أن لقاءً صحفيًا قرأته أم سندس مصادفة كان قد فتح لنا بابًا إلى حياة مختلفة.

ولذلك أدركت أهمية توثيق هذه التجربة، فقررت الاستفادة من تأجيل دفع بقية رسوم التدريب، واستأجرت مصورًا ليقضي معي يومًا كاملًا يوثق بالفيديو والصور الفوتوغرافية حياتي في الشقة، وتنقلاتي في شوارع المدينة، وتدريباتي داخل المعهد.

فقد كنت أعرف أنني عندما أعود إلى جدة وأحكي ما أصبحت قادرًا على القيام به، قد يصعب على البعض تصديقي، فأردت أن أحمل معي دليلًا يوثق التغير الذي حدث لي وتطور قدراتي خلال تلك الأسابيع القليلة.

لكن أكبر ما خرجت به من منيابوليس لم يكن تعلم استخدام العصا البيضاء، ولا مهارات الحياة اليومية، ولا حتى تجاوز مرحلة الإنكار.

بل أدركت أن مشكلتي الحقيقية لم تكن في قرار التقاعد المبكر، وإنما في غياب ثقافة إعادة التأهيل والاستقلالية لدى المكفوفين في عالمنا، وفي النظرة التي تحصر الكفيف فيما يعتقد المجتمع أنه يستطيع القيام به.

وحينها اتخذت قراري بطي صفحة محاولة العودة إلى عملي في الخطوط السعودية، وعوضًا عن ذلك أن أحمل على عاتقي نقل شيءٍ من هذه الفلسفة إلى المملكة، وأن أساعد كل من يفقد بصره في عالمنا على أن يدرك أن فقدان البصر لا يعني فقدان الحياة، وأن الكفيف يستطيع أن يتعلم ويعمل ويعيش باستقلالية، وأن يمارس العمل الذي يختاره هو، لا العمل الذي يختاره له المجتمع.

ومن هنا بدأت حكاية أخرى…

هذه واحدة من الحكايات التي سطرتها في سلسلة رحلتي عبر السنين.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 1
Share