في مثل هذا اليوم، 28 يوليو 1990م، بدأت واحدة من أصعب المحطات في حياتي.
ففي ذلك اليوم أصدرت اللجنة الطبية بالخطوط السعودية أول تقرير رسمي عن حالتي، موقَّعًا من الدكاترة شريف حلمي، وطلال قطب، وأسامة الوسية، وجاء فيه أنني مصاب بمرض مستفحل في شبكية العينين، وأن حالتي لا يُتوقع لها التحسن، بل قد تستمر في التدهور.

ومنذ تلك اللحظة بدأت سلسلة من الإجراءات الطبية والإدارية، انتهت بقرار الهيئة الطبية العامة بجدة باعتباري عاجزًا عن العمل قطعيًا ونهائيًا، وأُعامل حسب النظام، لتُحال خدمتي إلى التقاعد المبكر في 15 أكتوبر 1992م، بعد ثلاثة عشر عامًا في الخطوط السعودية، عملت خلالها مضيفًا جويًا، ثم أول طاهٍ جوي سعودي، ثم مدربًا للخدمة الجوية.
لكن المفارقة التي ما زلت أتوقف عندها حتى اليوم هي أنني، في تلك الفترة نفسها، كنت في قمة عطائي المهني، حتى إنني حصلت على شهادة الأداء المثالي كمدرب للمضيفين عن عام 1991م، ومُنحت درعًا تكريميًا عن ذلك.

وكنت قد سعيت جاهدًا منذ صدور قرار اللجنة الطبية وحتى قرار الهيئة الطبية العامة إلى إيجاد حل يتيح لي الاستمرار في عملي بوصفـي ضعيف بصر، مع توفير الأدوات والتجهيزات التي تمكنني من مواصلة عملي والترقي في مساري الوظيفي أسوة بزملائي. لكن غياب الأنظمة واللوائح، وبرامج إعادة التأهيل الوظيفي، وعدم الفهم الكافي لكيفية الاستفادة من قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية داخل بيئة العمل، إلى جانب الشفقة المفرطة على حالتي، أدى إلى ذلك القرار الذي لم أكن أتوقعه، خصوصًا بعد مساهمتي في فكرة «وجبة الراكب الكفيف» التي فازت الخطوط السعودية بموجبها بأرقى ثلاث جوائز عالمية في مجال التموين والطيران التجاري.

وربما كانت تلك اللحظة من أكبر المنعطفات في حياتي.
فما بدا يومها نهاية لمسيرة مهنية، أصبح الشرارة التي انطلقت منها مسيرة أخرى.
بدأت برحلتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتلقي برامج إعادة التأهيل، ومنها انطلقت في رحلة جديدة قادتني إلى حملة توعوية أسفرت عن فكرة إنشاء وتأسيس جمعية إبصار كأول جمعية متخصصة في خدمات العناية بضعف البصر وإعادة التأهيل في إقليم شرق البحر الأبيض المتوسط، ثم إدارتها لمدة خمسة عشر عامًا، وتُوجت بنيلي جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز للتميز في العمل الاجتماعي، قبل أن أنتقل إلى عالم التأليف والنشر، لأوثق هذه الرحلة في سلسلة «رحلتي عبر السنين».
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على ذلك القرار، لا أتمنى أن يضطر أي موظف يُصاب بضعف البصر إلى إخفاء حالته خوفًا من فقدان وظيفته، كما لا أتمنى أن يُختزل تقييمه في تقرير طبي دون النظر إلى قدرته الفعلية على العطاء.
لقد أثبتت التجربة أن التعامل الصحيح مع الإعاقة البصرية لا يبدأ بإعلان العجز، بل يبدأ بتقييم ما تبقى من القدرات البصرية، وتوفير برامج إعادة التأهيل، وتهيئة بيئة العمل، وتمكين الإنسان من الاستمرار في الإنتاج وفق إمكاناته.
فقد يخسر الإنسان جزءًا من بصره… لكنه لا ينبغي أن يخسر مستقبله.
ففقدان البصر لا يعني فقدان القدرة على العمل.
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.