جلست هذا الصباح أحتسي مشروبي الساخن المعتاد من الأعشاب، ثم قهوتي الصباحية، أمام مرآة الزمان، فإذا بها تعيدني سبعة وأربعين عامًا إلى الوراء، إلى مثل هذا اليوم، الخامس عشر من أغسطس عام 1979م، الذي وافق آنذاك الثاني والعشرين من رمضان 1399هـ.
كنت يومها شابًا على مشارف الثامنة عشرة من عمري، أتهيأ لخوض أول مغامرة حقيقية في حياتي: السفر بمفردي إلى بريطانيا، قاصدًا بيت خالي الدكتور فؤاد طاهر زمخشري رحمه الله في ليفربول، حيث كان يدرس زمالة طب الأطفال آنذاك. معتمدًا في رحلتي على ما ادخرته من رواتبي من عملي في بلدية جدة، على أن أتعلم اللغة الإنجليزية بالسكن مع إحدى الأسر الإنجليزية، كما كان شائعًا آنذاك بين كثير من الشباب السعوديين الذين كانوا يقصدون بريطانيا خلال الإجازة الصيفية لتعلم اللغة.
حينها لم أكن قد اكتشفت إصابتي بالتهاب الشبكية الصباغي الوراثي، الذي سيؤدي إلى ضعف بصري الشديد بعد نحو عشر سنوات.
غادرت مطار جدة القديم في حي الشرفية على متن طائرة ترايستار تابعة للخطوط السعودية، في رحلة مباشرة إلى مطار هيثرو بلندن، ولسان حالي يقول: «على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب». فلم أكن أعرف على وجه الدقة ماذا ينتظرني في الطرف الآخر.

كنت مرتديًا معطفًا من الشمواه الأسود، وقميصًا وبنطال شارلستون أبيضين -كما كنا نسمي البنطال المتسع من أسفل في ذلك الزمن- خاطها لي خياط حارتنا في البغدادية عبد الرحيم باوزير، وجزمة سوداء لامعة ذات كعب عالٍ، وفوق ذلك كله شعري الأفرو المنفوش!، ظنًا مني أنني ذاهب إلى بلاد الضباب في آخر صيحات الموضة.
فقد كنت مفتونًا بفرقة الديسكو العالمية «بوني إم»، وبما شاهدته في أفلام جون ترافولتا Saturday Night Fever وGrease، التي استأجرناها من أحد محلات تأجير أفلام السينما في حي البلد بجدة.
كانت تلك صورة من صور جيلنا في أواخر السبعينيات، حين كانت السينما والموسيقى تنقلان إلينا ملامح ذلك العالم البعيد.
وكان ذلك هو الوجه الآخر الذي سافرت من أجله إلى بريطانيا؛ فقد حملت في مخيلتي صورة لمكان أريد أن أرى فيه ذلك العالم الذي شاهدته على الشاشة، وأن أخوض شيئًا من تجاربه.
وفي الوقت نفسه، كنت أهرب من واقع دراسي أخفقت فيه وسئمت منه، باحثًا عن أفق جديد، وربما عن نسخة أخرى من نفسي لم أكن أعرفها بعد.
واليوم، عندما أعود عبر مرآة الزمان إلى مشهدي ذاك، ينتابني شيء من الضحك، وفي الوقت نفسه أتأمل كيف كان التأثير الثقافي يصل إلينا في عقر دارنا منذ مرحلة مبكرة، رغم نشأتنا الدينية والاجتماعية المحافظة.
على أي حال…
كانت أولى مفاجآت الرحلة عندما جلست في مقعدي على الطائرة، فإذا بي أشعر بأحد يشد قميصي من الخلف، ثم أسمع صوتًا أعرفه يقول بطريقته المرحة: «على فين رايح يا واد؟»
التفتُّ، فإذا به زميلي من ثانوية جدة الذي لم أره منذ أكثر من عام، فيصل حلواني، ابن الموسيقار السعودي المعروف محمود حلواني، رحمهما الله.
وفوجئت بأنه أصبح مضيفًا جويًا في الخطوط السعودية، وأنه كان في تلك الرحلة مسؤولًا عن خدمة المنطقة التي أجلس فيها.
وكان وجوده مصدر اطمئنان لي وسط ما انتابني من قلق وتوتر في بداية الرحلة، وجعل الساعات أكثر متعة؛ فكلما خف عنه العمل جاء إليَّ، واستعدنا شيئًا من ذكريات ثانوية جدة وضحكاتها.
وفي أثناء حديثنا قال لي بطبيعته المرحة التي عهدتها فيه: «ليش ما تجي تشتغل معانا مضيف؟ الشغلة ترى حلوة وفلة!»
ضحكت، ولم آخذ كلامه على محمل الجد. فقد كانت بالنسبة لي مجرد جملة عابرة، لكنها على غير وعي مني، تسللت واستقرت بداخلي.
كما كان لوجود فيصل فائدة أخرى؛ فهي المرة الأولى التي سأصل فيها إلى لندن، ولا أعرف شيئًا عنها ولا كيف سأنتقل منها إلى ليفربول حيث يقيم خالي. وكل ما كنت أملكه ورقة صغيرة في جيبي، كُتب عليها عنوانه.
وعندما أخبرت فيصل بذلك، تحدث فور وصولنا إلى مطار هيثرو مع أحد موظفي المحطة، وأخبره بأنني بحاجة إلى بعض المساعدة بعد نزولي من الطائرة حتى أصل إلى نقطة سيارات الأجرة خارج المطار.

رافقني الموظف خلال إجراءات الوصول، ومن الأشياء التي استوقفتني يومها الطوابير المنضبطة، ثم نظام المرور عبر الجمارك: مسار أخضر لمن ليس لديه ما يستوجب التصريح عنه، وآخر أحمر لمن يحمل ما ينبغي التصريح عنه.
كان الأمر جديدًا بالنسبة إليَّ؛ أن يُمنح المسافر هذه المساحة من الثقة والمسؤولية ليحدد بنفسه أي الطريقين يسلك.
ومن هيثرو استقللت سيارة أجرة إلى محطة القطار في لندن، ومنها بدأت رحلتي إلى ليفربول.
وهناك جاءني أول اختبار حقيقي لما كنت أظنه معرفتي باللغة الإنجليزية. فقد اكتشفت أن كل ما تعلمته من الإنجليزية في المناهج الدراسية لم يمكّنني حتى من التفاهم بسهولة لركوب سيارة الأجرة والوصول إلى وجهتي. وأدركت أن دراسة اللغة في المدرسة شيء، وأن تستخدمها وحدك في بلد أجنبي لتفهم الناس وتسأل عن الطريق وتنتقل من مكان إلى آخر، شيء مختلف تمامًا.
فكانت تلك الورقة الصغيرة التي تحمل عنوان خالي هي لغتي الأكثر فاعلية، ووسيلتي للحصول على المساعدة!
كلما احتجت إلى الوصول إلى نقطة جديدة أخرجتها من جيبي وعرضتها على من يساعدني.
وصلت إلى ليفربول بسلام، وكان بيت خالي محطتي الأولى في هذه المغامرة.
سبعة أيام قضيتها بين بيت خالي في ليفربول، وبيت الدكتور منصور إبراهيم سليمان، أخو شقيقتي -رحمها الله- بالرضاعة، في مانشستر، حيث كان آنذاك يحضر دراساته العليا في الصيدلة.
وكانت تلك الأيام كفيلة بأن أكتشف أن حياة الغرب التي صنعتها السينما في مخيلتي ليست بالضرورة هي الحياة التي وجدتها في ليفربول ومانشستر.
فليفربول كانت بالنسبة إليَّ مختلفة عن جدة في كل شيء تقريبًا: ضباب في عز الصيف، ومطر يأتي بين حين وآخر، وأيام مرت لم أر فيها الشمس.
أما مانشستر فأكتشف فيها أن أمسيات الثلاثاء التي كنا نتحلق فيها أمام التلفزيون بجدة لنتابع ونشاهد بحماسة وتفاعل تلك المصارعة الحرة بتعليق إبراهيم الراشد -رحمه الله- ونعيش ضرباتها وصراعاتها وكأنها معارك حقيقية. ما هي إلى عرض استعراضي وحركات بهلوانية وتمثيل معد للجمهور.
ولعل ذلك كان من أوائل الدروس التي تعلمتها في تلك الرحلة وهو أن ليس كل ما يصل إلينا عبر الشاشة يشبه الحقيقة عندما نعيشه أو نقترب منه.
ومع مرور الأيام بدأت أشعر أنني، رغم كل ما حولي من جديد، لم أصل بعد إلى ما جئت أبحث عنه.
فإقامتي هناك لم تغير شيئًا جوهريًا في حياتي اليومية بالقدر الذي كنت أتصوره مقارنة بحياتي في جدة، كما أن حيائي ممن أقمت عندهم جعلني أشعر بأن مساحة المغامرة والحرية التي رسمتها في مخيلتي قبل السفر لم تبدأ بعد.
كنت أريد أن أختبر العالم بنفسي، وأن أرى حياة الشباب التي طالما شاهدتها في السينما، وأن أتعلم الإنجليزية من الناس والشارع والحياة اليومية، لا أن أنتقل من عادات وتقاليد عشتها في جدة لأعيشها في بلاد الغرب.
وهنا اتخذت خطوة نحو مغامرة أكثر جرأة، وربما أكثر سذاجة.
فقد كنت أعرف قبل مغادرتي جدة أن بعض شباب حارتنا الأكبر مني سنًا موجودون في مدينة ساحلية جنوب بريطانيا اسمها «توركي»، ومن بينهم بعض أبناء عائلة كنو.
لكنني لم أكن أعرف شخصًا بعينه يمكنني الاتصال به هناك، ولم يكن معي عنوان أحد منهم، بل لم أكن أعرف أصلًا أين تقع توركي!
ومع ذلك كنت مقتنعًا، بمنطق شاب لم يكمل الثامنة عشرة، بأن الأمر بسيط:
سأصل إلى توركي، وأذهب إلى وسط المدينة، ولا بد أن أصادف واحدًا منهم هناك!
اليوم قد تبدو الفكرة أقرب إلى التهور منها إلى المغامرة، أما أنا يومها فكنت أراها فكرة معقولة تمامًا.
وهكذا ركبت القطار بحثًا عن أصدقاء الحارة، ولم أكن أعرف أن ذلك القطار لن يأخذني إلى مدينة أخرى فحسب…
بل سينعطف بي إلى وجهة لم تكن في الحسبان، وستغير مسار حياتي.
واليوم، إذ أعيد سرد هذه الذكرى من الجزء الثالث «على عتبة الحلم» من سلسلتي «رحلتي عبر السنين»، أتأمل كيف استطاعت السينما والموسيقى في ذلك الزمن أن تصنعا في مخيلة شاب لم يكمل الثامنة عشرة صورة لعالم بعيد، وأن تدفعاه إلى البحث عنه بنفسه.
وإذا كانت الشاشة قبل سبعة وأربعين عامًا قد امتلكت كل هذه القوة، فكم أصبحت قوتها اليوم وهي ترافقنا وأبناءنا في أيدينا عبر أجهزتنا المحمولة على مدار الساعة؟ لقد تعلمت منذ تلك الرحلة أن ما تعرضه الشاشات قد يصنع الأحلام ويؤثر في الخيارات، لكنه لا يقدم لنا دائمًا الحقيقة كاملة؛ فبعض الصور لا نكتشف حقيقتها إلا عندما نقترب منها ونعيشها بأنفسنا.
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.