كان حلم طفولتي أن أعمل في مجال الطيران، وفي شبابي أصبح وسيلة لتحقيق حلم آخر، وهو أن أجد أسرع طريق يعيدني إلى بلاد الضباب التي جذبتني ووقعت في حبها، وظل ذلك الحلم يراودني منذ عودتي من بريطانيا في العام 1979م.
ومن أجل ذلك التحقت بالخطوط الجوية العربية السعودية في أبريل عام 1980م للعمل مضيفًا جويًا.
لكن الطريق لم يكن قصيرًا. إذ كان عليَّ أن أتدرج في العمل على الطائرات والرحلات، وأن أنتظر دوري وأقدميتي حتى أصل إلى طائرة الترايستار، ومنها إلى الرحلات الدولية البعيدة، ثم أنتظر فرصة الحصول على رحلة إلى لندن. وكان ذلك سيستغرق مني عامًا أو أكثر على الأقل.
لكن في مثل هذا اليوم، التاسع عشر من أغسطس عام 1980م، وقع حدث جلل لم يكن في الحسبان، اختصر لي -على نحو مؤلم- جزءًا كبيرًا من تلك المسافة.
حينها كنت قد أمضيت بضعة أشهر فقط في عملي، وكنت ضمن طاقم عمل طائرة البوينج 737 في رحلتها رقم 809 المتجهة من جازان إلى جدة.
وقبيل صعود الركاب علمت من قائد الطائرة كابتن عاطف بخش أن طائرة تابعة للخطوط السعودية تعرضت لحادث في مطار الرياض، فأسرعنا في طلب صعود الركاب للمغادرة إلى جدة لمتابعة ما يجري.
صعد الركاب وأقلعنا إلى جدة، وهم لا يعرفون شيئًا عما حدث. فلم تكن في ذلك الزمان هواتف جوالة، ولا منصات تواصل اجتماعي، ولا أخبار عاجلة تصل إلى كل يد خلال ثوانٍ، بينما حملنا نحن خبرًا ناقصًا ملأنا قلقًا.
وعندما وصلنا إلى جدة، نزلنا من الطائرة فور مغادرة الركاب، واتجهنا على عجل إلى مبنى العمليات الجوية.
ولا أزال أحتفظ في ذاكرتي ما رسخ في مخيلتي أول مشهد رأيته عندما دخلنا المبنى…
كان المكان يعج بالملاحين والمسؤولين والموظفين، والهواتف لا تكاد تتوقف، وموظفو العمليات الجوية وجداول الملاحين ملتفون حول أجهزة الاتصال اللاسلكي يتابعون ما يصل من الرياض من أخبار.
وأحاديث تتناقل أن رحلة السعودية رقم 163، بطائرة لوكهيد L-1011 ترايستار، المسجلة برمز (HZ-AHK)، احترقت على أرض مطار الرياض بالكامل.
وشيئًا فشيئًا بدأت المعلومات تتكشف لنا بأن كل من كان على متنها من ركاب وملاحين قد لقوا حتفهم.
وهنا بدأت الصدمة وردود فعل الموجودين تهيمن على المكان، خصوصًا بعد تسرب أسماء أفراد طاقم الطائرة.
طيارون انكفؤوا على ذهولهم، ومضيفون هاموا على وجوههم، ومضيفات انهار بعضهن بالبكاء في أماكنهن عندما عرفن أسماء زميلاتهن من قاعدة كراتشي، بينما جلس آخرون في صمت وذهول.
أما أنا وبعض الزملاء، فكنا نتناقل الأخبار فيما بيننا في ذهول وصدمة. فهو أمر لم أتوقع أو أتمنى حدوثه، وهنا جال في خاطري برنامج تدريب السلامة الذي كنا نتلقاه، وأن تدريبات إخلاء الطوارئ التي كنا نتدرب عليها لم تكن مجرد تدريبات، بل كانت تستحق كل تلك الجدية التي كنا نراها في المدربين أثناء التدريب.
مضت ساعات غادرت بعدها العمليات والحادث يهيمن على تفكيري.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى الخدمة الجوية بمجمع السعودية، ولم يكن للزملاء حديث إلا الرحلة 163، ومطالعة ما نشرته الصحف من أخبار وصور للطائرة المحترقة، وما سمعوه من الزملاء في الرياض عما عاشوه وشاهدوه في تلك الليلة من مشاهد قاسية.
وكانت الرحلة 163 قد قدمت من كراتشي إلى الرياض، ثم أقلعت من مطار الرياض متجهة إلى جدة مساء يوم الثلاثاء في الساعة 9:08، وعلى متنها 287 راكبًا و14 من أفراد الطاقم.
وبعد نحو سبع دقائق من إقلاعها ظهر إنذار بوجود دخان في مخزن الأمتعة الخلفي، ثم قرر قائد الطائرة الكابتن محمد الخويطر، رحمه الله، العودة إلى مطار الرياض والهبوط اضطراريًا.
وبالفعل عادت الطائرة وهبطت، واستمرت في السير على المدرج حتى توقفت، إلا أن الحريق استمر داخلها، وتعذر إخلاء الركاب وأفراد الطاقم، فيما كانت فرق الإنقاذ والإطفاء تحاول الوصول إليهم والسيطرة على الحريق.
وانتهت الكارثة بوفاة جميع من كانوا على متنها، وعددهم 301 شخصًا.
وعُدَّت واحدة من أسوأ كوارث الطيران المدني في ذلك الزمن.
وفي أعقاب ذلك الحادث الأليم بدأت ألاحظ وألمس اتخاذ مجموعة من الإجراءات الفورية المرتبطة بالسلامة والطوارئ، ومنها تدريبات ميدانية لرجال الإطفاء والإنقاذ في مطارات مدن المملكة المختلفة على التعامل مع الطائرات ومخارجها في حالات الطوارئ.
فعلى ما أذكر، كنت في إحدى الرحلات إلى القيصومة بطائرة فوكر 28 مستأجرة مع طاقمها الأجنبي، وكانت مسؤوليتي فيها أداء الإعلانات والترجمة للركاب. وبعدما هبطنا في مطار القيصومة ونزل الركاب، صعدت مجموعة من رجال الإطفاء والإنقاذ إلى الطائرة للتدرب ميدانيًا على أبوابها ومخارج الطوارئ وكيفية فتحها من الداخل والخارج، وشاركت في ذلك التدريب الميداني بالترجمة ما بين الطاقم وفريق الإنقاذ.
يومها بدأت أدرك أن الكوارث، على قسوتها، لا تنتهي بانتهاء أخبارها، بل تتحول دروسها إلى معرفة وتدريب وإجراءات تمنع تكرارها.
ومما أذكر أيضًا أنه تم إلغاء عبارة كانت تذاع في إعلانات الترحيب على الترايستار تقول: «مرحبًا بكم على متن طائرات الخطوط السعودية الترايستار… صمام الأمان».
لكن الإجراء الذي انعكس عليَّ شخصيًا هو قرار إضافة مضيف عربي على بعض رحلات الترايستار الدولية التي تعمل عليها مضيفات من قواعد خارجية لا يتحدثن العربية، تكون مهمته إذاعة الإعلانات باللغة العربية ودعم الطاقم، ولا سيما عند وقوع حالة طارئة تستوجب الإخلاء.
واُختير لهذه المهمة عدد محدود من مضيفي البوينج 737 ممن يجيدون اللغة الإنجليزية ويتمتعون بمستوى مهني مناسب.
وكانت المفاجأة أن وصلني إشعار بأنني اُختيرتُ ضمن تلك المجموعة، رغم أنه لم يمضِ على التحاقي بالخطوط سوى نحو خمسة أشهر.
وبذلك أصبحت الطائرة التي كنت أعتقد أن الوصول إليها يحتاج سنة أو أكثر على بعد أيام مني.
فجُدولت للتدرب عليها، وأنهيت البرنامج في 23 سبتمبر 1980م، وأصبحت مؤهلًا للعمل على طائرة الترايستار، وعُينت كمضيف ثاني (2nd Steward) على الرحلات الدولية اعتبارًا من شهر أكتوبر 1980م.
واقتصرت مهمتنا على إذاعة الإعلانات العربية، ومساندة الطاقم في حالات الطوارئ.
وهكذا وضعني هذا الواقع على رحلات دولية، ومنها لندن التي كنت أتمناها. فلم تعد بريطانيا حلمًا بعيدًا، ولم تعد لندن وحدها غايتي. بدأت أكتشف أن وراءها مدنًا وبلدانًا وثقافات لم أكن قد تخيلت أن أصل إليها بتلك السرعة. كباريس، وفرانكفورت، وبومباي، وكراتشي.
ليس ذلك فحسب… بل لم تمضِ ستة أشهر حتى وجدت نفسي أمام قفزة أكبر بعدما اُختيرتُ من ضمن أوائل المضيفين المجدولين للتأهل على طائرات البوينج 747 «الجامبو» التي كانت السعودية تستعد لإدخالها إلى أسطولها، وانتهيت من برنامجي التدريبي عليها مع مدربي شركة (Trans World Airlines – TWA) في 08 أبريل 1981م، وإذا بخريطة حياتي تتسع من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ من بانكوك ومانيلا إلى نيويورك.

وأصل إلى كبرى عواصم عالمية وفنادقها لم أتخيل أن قدمي ستطآنها. كبانكوك، ونيويورك، ومانيلا، وسنغافورة، وسيئول، ونيودلهي، وكان لكل واحدة منها حكاية في ذاكرتي.
وهكذا، فإن حدثًا لم يكن في حسباني يوم كنت أقف على أرض مطار جازان أعاد ترتيب الطريق الذي كنت أظن أنني رسمته لنفسي.
لكنني كلما استعدت تلك المرحلة، بقيت الحقيقة الأهم أمامي:
لم تكن الرحلة 163 بالنسبة إليَّ جسرًا إلى فرصة، بل مأساة إنسانية فقد فيها 301 إنسان حياتهم، ثم فرضت آثارها على المؤسسة إجراءات وتغييرات، كان أحدها -من حيث لم أكن أتوقع- سببًا في تغيير مساري المهني.
فرحم الله من نحسبهم من الشهداء فيها، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ضمن أصناف الشهداء: «وصاحب الحريق شهيد».
واليوم، بعد نحو ستة وأربعين عامًا، إذ أستحضر من ذاكرتي هذه القصة من ضمن عشرات القصص في سلسلة «رحلتي عبر السنين»، لا أفعل ذلك من أجل إحياء ذكرى أليمة في نفوس من فقدوا أحباءهم، ولا لإعادة سرد كارثة كُتب عنها الكثير، وإنما لأضع إلى جانب ما سجله التاريخ شهادتي كمضيف جوي وقف على طرف من المشهد، وعاش بعض الإجراءات والتغييرات التي أعقبته.
كذلك للتذكير بمدى المسؤولية التي تقع على عاتق طواقم الطيران، وأن تدريبات السلامة والطوارئ التي قد تبدو روتينية في الأيام العادية يمكن أن تصبح في لحظة ما الفارق بين الحياة والموت.
وأما لجيل اليوم، ففيها رسالة أخرى تعلمتها وهي أن الإنسان متى وضع لنفسه هدفًا، وتوكل على الله، وعمل من أجله، فقد يصل إليه من طريق لم يكن في حسبانه، وقد يفتح الله أمامه ما هو أبعد من الهدف الذي رسمه لنفسه.
فقد كان كل ما أبحث عنه يوم التحقت بالخطوط السعودية طريقًا يعيدني إلى بريطانيا…
فإذا بالطريق يقودني إلى العالم كله.
الرابط المختصر لهذا المقال:




كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.