تمر بعض الذكريات كل عام، لكنها لا تعيد إلينا الألم بقدر ما تعيد إلينا الامتنان لمن مروا في حياتنا وتركوا أثرًا لا يزول.

في مثل هذا اليوم، 7 أغسطس 1967م، الموافق آنذاك 1 جمادى الأولى 1387هـ، أمست أسرتنا على فاجعة لم تكن في الحسبان، وهي وفاة والدي رحمه الله المفاجئة عن عمر ناهز 37 عامًا، تاركًا خلفه والدتي، التي لم تكن قد تجاوزت آنذاك الثلاثين من عمرها، وإخوتي الخمسة: سوزان رحمها الله، ومنى، ومحمد نجاتي، وحلمي، وانتصار. ودُفن في مقبرة الأسد بجدة، بجوار والده الذي سبقه بثماني سنوات، رحمهما الله.

ووالدي هو أحمد بن محمد أبو بكر بلو، من مواليد حارة الرومية بالمدينة المنورة عام 1349هـ، حيث نشأ فيها وتلقى تعليمه الأولي في الكُتّاب، ثم الناصرية الابتدائية، فمدرسة العلوم الشرعية، وحصل على الشهادة الثانوية من مدرسة طيبة الثانوية.

ثم التحق بما كان يعرف آنذاك بـ«الترينج ميشن» في الظهران، وهي بعثة التدريب العسكرية الأمريكية التابعة لوزارة الدفاع والطيران، التي كانت تتولى إعداد وتأهيل الكوادر السعودية في تلك المرحلة.

وخلال فترة التحاقه بها، ابتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وعقب عودته التحق بالعمل في الخطوط الجوية العربية السعودية، التي كانت آنذاك لا تزال تتبع وزارة الدفاع والطيران، وتزوج بوالدتي سميرة، كبرى بنات خاله الأديب طاهر زمخشري، رحمهم الله جميعًا.

وعندما أُعلن عن استقلال الخطوط الجوية العربية السعودية ككيان تجاري مستقل في 19 فبراير 1963م، أطلقت برنامجًا وطنيًا لتأهيل الكوادر الإدارية السعودية، فابتعث بموجبه لإكمال دراسته الجامعية بمدينة سانت لويس بالولايات المتحدة الأمريكية، واصطحبنا جميعًا معه، وحينها كنت في الثانية من عمري.

وبعد العودة أواخر عام 1965م، عمل تحت إدارة زميله ابن المدينة المنورة الأستاذ رضا حكيم -رحمه الله- في قسم الشؤون الخارجية بالخطوط السعودية، وخلالها اضطلع بعدد من المهام المهمة، كان من أبرزها انتدابه إلى نيجيريا لإتمام اتفاقية تسيير رحلات الخطوط السعودية بين نيجيريا وجدة لنقل الحجيج.

وعن ذلك روى لي العم هاشم زمخشري رحمه الله:

“عندما عزم أبيه أحمد السفر إلى نيجيريا منتدبًا من الخطوط السعودية لتمهيد افتتاح الخط الجوي بين المملكة ونيجيريا، وتنظيم رحلات الحجيج إلى السعودية، حيث كان يعمل في إدارة الشؤون الخارجية بالخطوط. اقترح عليه أخويا طاهر أن يصطحبني معه مترجمًا بحكم أنني كنت أجيد اللغة الهوساوية، وهي اللغة الوطنية في نيجيريا. وبالفعل سافرت معه. والتقينا بالحاج سير أحمد بِيلُّو، رئيس وزراء نيجيريا آنذاك. واستقبلنا في مكتبه واحتفى بنا، وكنت أترجم الحوار فيما بينهما. وعلى هامش اللقاء تحدثا عن أهالي الحجاز من الأصول الأفريقية.

ومن عجيب ما رأيت في مكتب الحاج أحمد بِيلُّو هيبته، وكيف كان الذين يدخلون عليه من حاشيته لا يدخلون إلا حبوًا على ركبهم!

وبنهاية اللقاء أهدانا خمسة طيور ببغاء من نوع «الكاسكو»، وهي إحدى أنواع الببغاوات الأفريقية النادرة طليقة اللسان. وبعد عودتنا أهدى أبيه أحمد لكل بيت رئيسي من العائلة واحدًا منها.”

وأتذكر في طفولتي تلك الببغاوات جيدًا، فالببغاء الذي كان في منزلنا هرب بعد فترة وجيزة، بينما بقيت الببغاوات الأخرى في بيوت أقاربنا زمنًا طويلًا، وكأنها ظلت تحفظ ذكرى والدي وتلك الرحلة.

وكان من أهم المهام الأخرى التي أوكلت إليه هي انتدابه إلى لبنان والأردن قبيل اندلاع حرب 1967م بين العرب وإسرائيل لإتمام الإجراءات الاحترازية من غلق مكاتب الخطوط السعودية في عمان إذ أن معظم شركات الطيران العربية والأجنبية سارعت بإغلاق مكاتبها قبل اندلاع الحرب، وتشير الوثائق التي ما زلت أحتفظ بها إلى وجوده في بيروت في 20 مايو 1967م، التي توفي بعدها.

ومن أهم ما عُرف عنه واشتهر به رحمه الله برُّه بوالديه؛ فقد رافق والده في رحلته العلاجية إلى مصر حتى عودته إلى جدة ووفاته فيها، كما كان حلقة الوصل التي ربطت العائلة وإصلاح ذات البين فقد روي أن خلافًا وقع بين بابا طاهر واخوته وكان هو من أصلح فيما بينهم.

بأنه كان بارا بوالديه فقد رافق والده في رحلته العلاجية إلى مصر حتى عودته إلى جدة ووفاته فيها، كما كان حلقة الوصل التي ربطت العائلة وإصلاح ذات البين فقد روي أن خلافًا وقع بين بابا طاهر واخوته وكان هو من أصلح فيما بينهم قبيل وفاته بأسابيع وأعاد صلة الرحم، فضلًا عن حبه ووفائه لأصدقائه، الذين بادلوه ذلك الحب، وضربوا مثلًا في معنى الوفاء والصداقة الحقيقية. فقد روت والدتي رحمها الله أن أصدقاءه، ومنهم العم محمد كشميري، الذي كنا نلقبه بـ«عمي البخاري»، والعم إبراهيم سليمان، الذي كان يُعد أبًا بالرضاعة لشقيقتي الكبرى، وزامل والدي طيلة حياته، والعم أحمد نجاتي، الذي سمّى والدي أخي محمد نجاتي باسمه لعلاقتهما الوطيدة، والعم عبد الهادي سمان، والعم أحمد سالم، والعم جمال سنبل، والعم جميل منصور، وغيرهم، بادروا بجمع مبلغ من المال، وأضافوه إلى مستحقاته المالية من الخطوط السعودية، التي كانت متواضعة بسبب قصر مدة خدمته، واشتروا به قطعة أرض في حي الجامعة، وسجلوها باسم والدتي، وقدموها لها على غير علم أو تنسيق مع بابا طاهر، لعلمهم بعزة نفسه وصعوبة قبوله أي مساعدة مادية، فلم يتركوا له مجالًا لرفضها، ووضعوه أمام الأمر الواقع.

فما كان من بابا طاهر إلا أن ثمَّن موقفهم النبيل، وقدَّر لهم هذا الوفاء، لا سيما أنه كان من الذين يؤمنون بأن الصداقة لا تموت، وأصبحوا بعد ذلك من أقرب أصدقائه.

وفي سبعينيات القرن العشرين حينما شرعت جامعة الملك عبد العزيز بتوسيع حرمها الجامعي نزعت ملكية الأرضي المحيطة بمبنى الجامعة ومن بينها قطعة الأرض تلك، وبالتعويض الذي حصلنا عليه اشترينا قطعة أرض بديلة في حي العزيزية بنينا عليها أول بيت ملك للعائلة انتقلنا إليه في العام 1982م ولا زلنا نسكن فيه. عاش فيه من عاش ومات فيه من مات.

وبقي شاهدًا ورمزا لوفاء الأصدقاء الذين بقينا على علاقة وطيدة معهم وأسرهم حتى وفاتهم رحمهم الله جميعًا. من باب أبر البر الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنه: «إن أبرَّ البرِّ صلةُ المرءِ أهلَ ودِّ أبيه بعد أن يوليَ».

واليوم، وأنا أحيي هذه الذكرى، أستحضر واحدة من القصص التي رويتها في سلسلة «رحلتي عبر السنين»، ليس للحديث عن والدي وحده، بل لنقل صورة عن رجالات ذلك الزمان، وليتعلم منها جيل اليوم أن الصداقة ليست مجرد جلسات، أو لعبة بلوت، أو سهرات عابرة، وإنما هي أخوة وقفة عند النائبات:

كما في جاء في القول المنسوب إلى الإمام علي رضي الله عنه:

وَلا خَيرَ في وِدِّ اِمرِئٍ مُتَلَّونٍ *** إِذا الريحُ مالَت مالَ حَيثُ تَميلُ

جَوادٌ إِذا اِستَغنَيتَ عَن أَخذِ مالِهِ *** وَعِندَ اِحتِمالِ الفَقرِ عَنكَ بَخيلُ

فَما أَكثَرَ الإِخوان حينَ تَعدّهُم *** وَلَكِنَهُم في النائِباتِ قَليلُ

فرحم الله والدي، ورحم أصدقاءه الذين جسدوا أسمى معاني الصداقة، والوفاء، والأخوة، وجزاهم عن أسرتنا خير الجزاء.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 4
Share