أثار اهتمامي خبر منح جائزة نوبل للطب لعام 2026 لكل من الباحثين كارل ديسيروث، وبيتر هيغمان، وجورج ناغل، عن «اكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية المحكومة بالضوء وعلم البصريات الوراثي».
والسبب أن هذا الإنجاز الطبي ذو ارتباط مباشر بتجربتي مع فقدان البصر نتيجة التهاب الشبكية الصباغي؛ إذ إن من أهم نتائج دراساتهم التجربة التي أُجريت على رجل يبلغ من العمر 58 عامًا، مصاب بالتهاب الشبكية الصباغي Retinitis Pigmentosa. واستخدم الباحثون ناقلًا فيروسيًا لإدخال جين لبروتين حساس للضوء يسمى ChrimsonR إلى خلايا العقد الشبكية، ثم استُخدمت نظارات خاصة تلتقط المشهد وتحوله إلى نمط من النبضات الضوئية المناسبة لتنشيط الخلايا المعدلة.
وبعد العلاج والتدريب، استطاع الرجل، باستخدام العين المعالجة والنظارات، أن يدرك بعض الأشياء أمامه، ويحدد مواقعها، ويعد بعضها ويمد يده إليها. وهو لم يستعد بصره الطبيعي، وإنما استعاد قدرًا محدودًا من الوظيفة البصرية، إلا أن أهمية التجربة تكمن في أنها كانت أول حالة منشورة تسجل استعادة جزئية للوظيفة البصرية بعد العلاج بالبصريات الوراثية.
وكانت مجلة Nature Medicine قد نشرت في موقعها الإلكتروني نتائج هذه التجربة في 24 مايو 2021.
وقد وجدت في يوم البصر العالمي، الذي يصادف هذا العام الخميس 8 أكتوبر 2026، فرصة لتسليط الضوء على هذا الإنجاز، وعلى ما يحمله من أمل للمصابين بالتهاب الشبكية الصباغي وأسرهم. ويقود الاحتفال بهذه المناسبة سنويًا التحالف الدولي المعروف بالوكالة الدولية للوقاية من العمى، بهدف التوعية بصحة العين وتشجيع الناس على إعطائها الأولوية، إلى جانب دعوة الحكومات إلى دعم خدمات رعاية العيون وإتاحتها للجميع. ولا تزال الحملة العالمية ترفع شعار «أحب عينيك»، فيما تضع حملة هذا العام قصص الناس وتجاربهم في قلب رسالتها.
وتعود قصة ذلك الاكتشاف إلى سؤال علمي بسيط، لم يكن يتعلق في بدايته بعلاج العمى ولا بأمراض العين.
فقد أثار فضول الباحث الألماني بيتر هيغمان طحلب أخضر مجهري وحيد الخلية يسمى «كلاميدوموناس»، يستطيع أن يشعر بالضوء ويتحرك نحوه، رغم أنه لا يملك عينًا ولا دماغًا ولا جهازًا عصبيًا.
فكيف يعرف هذا الكائن الصغير مكان الضوء؟
قضى هيغمان سنوات يدرس هذا السؤال، حتى توصل مع زملائه إلى وجود بروتينات حساسة للضوء في هذا الطحلب. ثم تعاون مع جورج ناغل، وتبين لهما أن أحد هذه البروتينات الموجودة في غشاء الخلية يعمل بطريقة يمكن تبسيطها بتشبيهه بباب صغير يفتحه الضوء.
فعندما يسقط عليه الضوء، يفتح هذا «الباب»، فتعبر من خلاله جسيمات مشحونة تسمى الأيونات، ويتغير بذلك النشاط الكهربائي للخلية.
أي إنه، وبالمختصر، أصبح أمام العلماء مفتاح من الضوء يستطيع التأثير في كهرباء الخلية.
ومن هنا جاء السؤال التالي:
إذا كان الضوء يستطيع التحكم في كهرباء خلية طحلب، والخلايا العصبية في أدمغتنا تعمل هي الأخرى بإشارات كهربائية، فهل يمكن استخدام الضوء للتحكم في الخلايا العصبية؟
وهنا جاء دور الباحث الثالث، كارل ديسيروث، في جامعة ستانفورد.
ففي عام 2005 أدخل فريقه الجين الذي يحمل تعليمات صنع البروتين الحساس للضوء إلى خلايا عصبية. وبدأت تلك الخلايا تصنع البروتين بنفسها، وأصبح لديها ما يشبه «الباب» الذي يفتحه الضوء.
وعندما وجّه الباحثون إليها نبضات من الضوء الأزرق، حدث ما كانوا يبحثون عنه: استجابت الخلايا العصبية للضوء، وأصبح من الممكن التحكم في نشاطها بدقة.
وكأن العلماء حولوا الضوء إلى ما يشبه «جهاز تحكم» للخلايا العصبية. ومن هنا انطلق العلم الذي أصبح يُعرف باسم «البصريات الوراثية».
وبدأت بعد ذلك سلسلة من التجارب بدت في بعض نتائجها أقرب إلى الخيال العلمي.
فقد استخدم العلماء الضوء للتحكم في خلايا عصبية محددة لدى الحيوانات، ثم راقبوا ما يحدث. واستطاعوا بهذه الطريقة دراسة الخلايا والمسارات المرتبطة بالحركة والخوف والنوم والمكافأة والذاكرة، وأصبح هذا العلم وسيلة مهمة لفهم كيفية عمل أجزاء من الدماغ كان من الصعب معرفة وظائفها بهذه الدقة من قبل.
وكانت تجارب الذاكرة من أكثرها إثارة؛ إذ استطاع الباحثون، في بعض التجارب على الفئران، إعادة تنشيط مجموعات من الخلايا العصبية المرتبطة بذكريات سبق تكوينها، فظهرت على الفئران استجابات مرتبطة بتلك الذكريات.
وظلت هذه التطبيقات في نطاق الدراسات والتجارب، إلى أن عاد الضوء من جديد إلى العين.
فقد تساءل الباحثون: إذا كانت الخلايا الأصلية المسؤولة عن استقبال الضوء في شبكية شخص مصاب بالتهاب الشبكية الصباغي قد تلفت، فهل يمكن إعطاء خلايا أخرى ما زالت موجودة في الشبكية القدرة على الاستجابة للضوء؟
ومن هذا الطريق جاءت تجربة عام 2021 على الرجل المصاب بالتهاب الشبكية الصباغي، التي استطاع بعدها إدراك بعض الأشياء أمامه باستخدام النظارات الخاصة والعين المعالجة.
وبهذه النتيجة أصبح هناك أمل علمي للأجيال القادمة من المصابين بالتهاب الشبكية الصباغي في إمكانية استعادة بعض القدرات البصرية التي قد تساعدهم مستقبلًا على أداء بعض وظائف الإبصار بصورة أفضل.
والواقع أن التهاب الشبكية الصباغي هو اسم لمجموعة من أمراض الشبكية الوراثية النادرة، تتسبب في تلف تدريجي للخلايا الحساسة للضوء داخل الشبكية. وتبدأ أعراضه لدى كثير من المصابين بصعوبة الرؤية في الليل، ثم يبدأ مجال الإبصار في التضيق تدريجيًا، وقد يمتد التدهور مع مرور السنوات إلى الرؤية المركزية، ويصل لدى بعض الحالات إلى فقد شديد للبصر أو العمى.
وتشير التقديرات الطبية إلى أن المرض يصيب نحو شخص واحد من كل 3,000 إلى 5,000 شخص حول العالم، مع اختلاف تطوره وسرعته من شخص إلى آخر.
وكنت قد اكتشفت إصابتي به للمرة الأولى عام 1984، عندما بدأت ألاحظ صعوبة في الرؤية أثناء الليل، وفي رؤية الأشياء والمسافات البعيدة. وعندما راجعت الطبيب، أظهرت الفحوصات أن لدي قصورًا في النظر، وفي الوقت نفسه وجود مؤشرات لالتهاب الشبكية الصباغي في مراحله الأولى، وأن هذا المرض ليس له علاج، وأن عليَّ المتابعة الدورية.
ومنذ ذلك الوقت بدأ بصري يتراجع تدريجيًا عامًا بعد عام، حتى تسبب في إحالتي إلى التقاعد المبكر من عملي بالخطوط السعودية في عام 1992م.
واستمر التدهور بعد ذلك على مدى السنوات، حتى وصلت إلى الفقد الكامل للبصر، الذي أكده التقرير الطبي الصادر في 15 أغسطس 2021م، بأن «حدة الإبصار بالعين اليمنى هي عدم رؤية الضوء نتيجة لوجود ضمور تام بالشبكية والعصب البصري نتيجة مرض الإلتهاب الصبغي التلوني بشبكية العين اليمنى واليسرى ووجود مياه بيضاء شديدة بالعينين ونسبة فقدان النظر هي 100٪ بالعين اليمنى و100٪ بالعين اليسرى».
وبالرغم مما سببه لي هذا المرض من فقد للبصر وتقاعد مبكر، فإنه عاد عليّ أيضًا بالكثير من التحولات الإيجابية التي لم أكن أتوقعها.
فقد أدخلني إلى عالم الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل من أوسع أبوابه، وشاركت في تقديم فكرة جمعية إبصار والمشاركة في تأسيسها عام 2003، والتي انتقلت من خلالها إلى نشاط أوسع في هذا المجال محليًا وإقليميًا ودوليًا.
ومن ذلك، على سبيل المثال، مشاركتي في عام 2006 في اجتماعات الوكالة الدولية للوقاية من العمى التي عُقدت في مقر منظمة الصحة العالمية بجنيف. ثم اختياري عضوًا في لجنة المساندة والعلاقات العامة بالوكالة، التي استمررت فيها لدورتين، وكان من مهامها وضع شعار ليوم البصر العالمي وتنظيم فعالياته، ومثّل عام 2007م أولى مشاركاتي ضمن اللجنة في تنظيم فعاليات اليوم العالمي للبصر في المملكة.
وبالرغم من ابتعادي منذ عدة سنوات عن العمل المباشر في أنشطة الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل، فإنني وجدتها فرصة لأعود من نافذتي هذه، وأشارك العالم الاحتفال بهذه المناسبة، بإعادة التذكير بما دأبت على المناداة به من ضرورة وضع استراتيجيات وطنية متكاملة تعمل على الحد من حالات الإعاقة البصرية التي يمكن تفاديها بالكشف المبكر والعلاج؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك 2.2 مليار شخص حول العالم يعانون ضعفًا في الرؤية للقريب أو البعيد، وأن ما لا يقل عن مليار من هذه الحالات كان من الممكن الوقاية منها أو لم تحصل بعد على الرعاية اللازمة.
وفي الوقت نفسه، العمل على تحسين ظروف نحو 77 مليون شخص حول العالم يعيشون مع فقدان للبصر ناجم عن حالات لا يمكن الوقاية منها أو علاجها، من خلال خدمات ضعف البصر وبرامج إعادة التأهيل والتقنيات المساعدة والتدريب على الاستقلالية لجميع فئاتهم العمرية، بمن فيهم من يعيشون في بلادنا.
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.