في مثل هذا اليوم، 3 أغسطس 1974م، وقف الأديب السعودي طاهر عبد الرحمن زمخشري (بابا طاهر) بين يدي الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، في العكاظية الشعرية الكبرى التي أقيمت في قصر صقانس بمدينة المنستير احتفالًا بعيد ميلاده الحادي والسبعين، بحضور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وعدد من الشخصيات والشعراء، حيث ألقى الأديب قصيدته «أنت العميد» التي نشرها لاحقا في ديوان الشراع الرفاف، ومما جاء فيها:

يَا عروسَ الإلهَامِ في الأُفقِ الأَخضَرِ عَادَ الرَبيعُ وَهوَ جَديدُ

والصَفَاءُ المبثُوثُ في تونس الخضْرَاءِ رِيٌ وَحَوْضُه موْرُودُ

يَا أبَا العُرْبِ، يَا حَبيبَ المَلاَيين ؛ ويَا منْ به الربيعُ جَديِدُ

أمةُ الضاد أصبحت تَجْهَلُ الضاد وإنَّا بغيرهَا لاَ نَسُودُ

رَمضَان الكريم والضجة الكبرَى وحرْبٌ بهَا تلَظَّى اليَهُودُ

قد أدرْنَا الرَّحى عليهم بوَعيٍ رفَرَفتْ في العَلاءِ منهُ بُنودُ

يَا حبيبَ الخَضْرَاءِ مَوْكبُ أفْرَاحٍ تَهَادَى وإنه لك عيدُ

واحتفَالُ الميلاَدِ يَسْتَرِجعُ الذكرى وفي كلِّ مقلة تَأكيدُ

وعقب إلقائه القصيدة، تفضل الرئيس بورقيبة بمنحه وسام الاستحقاق الثقافي للجمهورية التونسية، تقديرًا لما قدمه من إسهامات أدبية وثقافية في خدمة الحركة الثقافية التونسية.

ولا أزال أذكر تلك الأيام في بيتنا بحي الشرفية، حين عاد من تونس تغمره الفرحة والفخر والاعتزاز بهذا التكريم الثاني، وما فتئ يتحدث عنه بوصفه تقديرًا عربيًا لمسيرته الأدبية، لا لشخصه فحسب.

ولم يكن ذلك أول تكريم يحظى به بابا طاهر في تونس، بل جاء بعد ثمانية أعوام من تكريمه الأول عام 1966م، حين منحه الرئيس بورقيبة وسام الجمهورية التونسية من الصنف الثالث، ليصبح بذلك أول أديب سعودي يكرم رسميًا خارج بلاده، وهو الوسام الذي لا زلت احتفظ به من بين مقتنيات الأديب رحمه الله إلى اليوم.

وسام الجمهورية التونسية الذي حصل عليه الأديب طاهر زمخشري – 1966م

ولم يأت هذا التكريم من فراغ، فقد ارتبط بابا طاهر بالحياة الثقافية التونسية منذ مطلع الستينيات، في مرحلة كانت تونس تعيش فيها نهضتها الثقافية العربية بعد الاستقلال.

وقد بدأت تلك العلاقة عندما تعرّف في القاهرة على الكاتب التونسي أبو القاسم محمد كرّو عندما كان يعد مادة عن الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي. وقد أثار ذلك اللقاء إعجابه بحماسة الشعب التونسي لأشعار أبي القاسم الشابي. وكانت تلك بداية علاقته بتونس التي استمرت قرابة ربع قرن، تنقل خلالها بين جدة وتونس، وأسهم في عدد من الأنشطة الأدبية والإعلامية فيها من أبرزها المساهمة في تأسيس التلفزة التونسية.

ومن خلال تلك العلاقة، لم يكن بابا طاهر يمثل نفسه شاعرًا فحسب، بل حمل معه الثقافة السعودية إلى بلاد المغرب العربي، فقدم عبر التلفزة التونسية رواد الفن السعودي، وفي مقدمتهم طلال مداح، ولطفي زيني، وحسن دردير رحمهم الله، وكان لذلك أثر في تعريف الجمهور المغاربي بالأغنية السعودية. ثم اصطحب في وقت لاحق الفنان محمد عبده، الذي حظي بتكريم الرئيس بورقيبة، وعندما قدمه له بابا طاهر بوصفه فنانًا سعوديًا، قال بورقيبة: «بل هذا فنان العرب»، وهو اللقب الذي لازمه حتى اليوم.

فضلا عن إصداره لستة دواوين في تونس جمعها في أواخر حياته في مجموعة الخضراء التي صدرت في العام (1402هـ – 1982م) عن دار تهامة.

غلاف المجموعة الخضراء 1402هـ – 1982م

كما ساهم في اكتشاف بعض الفنانين التونسيين منهم الفنانة زهيرة سالم والفنانة عايدة بوخريص وقدمهم أيضا للساحة السعودية.

وأصبح أحد الوجوه الأدبية المعروفة في الساحة الثقافية التونسية، حتى أُطلق اسمه على عدة شوارع في مدن مختلفة من تونس باسم “نهج الزمخشري” منها العاصمة تونس، صفاقس، أريانة، سوسة، نابل. تقديرًا لما تركه من أثر.

والواقع أنه حظي بمكانة كبيرة بين الأدباء والمثقفين والجمهور في تونس، وقد شهدت ذلك بنفسي عندما رافقته إلى تونس لمدة شهرين عام 1975م، ثم زرته أثناء إقامته فيها عام 1985م.

أنا وبابا طاهر وأخي محمد نجاتي في الطريق من تونس إلى سوسة في العام 1975م

واليوم أحيي هذه الذكرى وفاءً للعشرين عامًا التي عشتها في كنفه ووصيته بالحفاظ على إرثه الأدبي.

تلك واحدة من عشرات القصص التي سردتها في هذا السياق ضمن سلسلة «رحلتي عبر السنين» لأنها ليست مجرد ذكريات عائلية، بل جزء من تاريخ العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التونسية، وجانب من سيرة أديب سعودي أسهم في مد جسور التواصل الثقافي العربي قبل أكثر من نصف قرن.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 1
Share