في أولى نشاطاتي الثقافية هذا العام، بعد غياب امتد عدة أشهر فرضه عليّ الاعتكاف على تأليف كتابي الجديد «على عتبة الحلم» من سلسلة «رحلتي عبر السنين»، حظيت بدعوة كريمة من جمعية الأدب للمشاركة في أمسية ثقافية بعنوان «الأدب بالصوت واللمس»، وذلك مساء الأربعاء 06 مايو 2026م، بالشراكة الأدبية مع مقهى طبقات بحي النعيم في جدة، وبمشاركة الشاعرة والكاتبة الكفيفة أمل صالح شكر الحاصلة على لقب رائدة المسرح من وزارة الثقافة والإعلام، فيما أدار الأمسية الدكتور سلطان العيسي، الذي نجح في الربط بين الرؤى المختلفة لمحاور الأمسية، وفتح آفاق النقاش مع الجمهور حول حضور الأدب في الحياة اليومية عبر الحواس المختلفة، مما خلق حالة من التفاعل الإيجابي عكست شغف المجتمع المحلي بالمبادرات الثقافية النوعية التي تمزج بين الفكر والابتكار الإنساني.

بدأت الأمسية في تمام الساعة التاسعة مساءً بحضور نخبة من المثقفين والأدباء والإعلاميين والمهتمين بتطوير المحتوى الإبداعي والبحث في آفاق التلقي الأدبي عبر مختلف الحواس.

جانب من الحضور

واستعرضت خلالها تجربتي في التأليف، بدءًا من كتابي «حصاد الظلام»، وتطرقت إلى قصة بداياتي الأولى مع الكتابة، حين جمعتني الصدفة في خريف عام 1996م بالأديب والكاتب الراحل محمد صادق دياب، الذي تعاطف مع تجربتي مع فقدان البصر والعمل آنذاك، فبادر بتناول قصتي ضمن برنامجه «من السعودية مع التحية» على قناة ART، حيث حاورني الإعلامي المخضرم عدنان صعيدي في أول ظهور تلفزيوني لي. وأثناء الحديث الذي دار بيننا قبل التسجيل، فوجئت به يقدمني للمشاهدين بوصفه “كاتبًا ومؤلفًا”، بعد أن علم بحلمي في كتابة كتاب عن جدي الأديب طاهر عبد الرحمن زمخشري بعنوان «بابا طاهر حكايات وذكريات»، رغم أنني في ذلك الوقت لم أكن قد كتبت صفحة واحدة بعد.

وكانت تلك اللحظة نقطة التحول الحقيقية التي دفعتني إلى عقد العزم داخليًا على أن أصبح مؤلفًا بالفعل حتى لا أخذله، فبدأت رحلتي مع التأليف عبر «حصاد الظلام»، الذي استغرقت أربع سنوات في كتابته خلال مرحلة ضعف بصري شديد، معتمدًا على كتابة رؤوس أقلام مختصرة، ثم الاستعانة بمعلم ابتدائي لفك ما كتبته من ملاحظات متداخلة وإعادة إملائها حتى تمكنت من إكمال الكتاب.

ثم تحدثت عن تجربتي في كتابة السيرة الذاتية عبر سلسلة «رحلتي عبر السنين»، التي صدر منها الجزءان الأول والثاني، فيما يمر الجزء الثالث حاليًا بمرحلة اللمسات النهائية، إضافة إلى كتابة السير الغيرية من خلال توثيق سيرة الأديب طاهر عبد الرحمن زمخشري -رحمه الله-، والعمل على تحرير سيرة استشاري طب الأطفال وأمراض الدم والأورام الدكتور زكريا محمد الهوساوي بعنوان «مسيرتي مع طب الأطفال في المدينة المنورة».

كما تحدثت عن تجربتي كوكيل أدبي، والدور الذي يمكن أن يؤديه الوكيل الأدبي في دعم المبدعين من ذوي الإعاقة، مستشهدًا بتجربة تقديم الشاعرة أمل صالح شكر وإصدار ديوانها الأول «نبض في سكون الروح» ضمن مسؤوليتي الاجتماعية كوكيل أدبي ومن خلال «سطور للنشر»، مؤكدًا أن تمكين المبدعين لا يقتصر على النشر فقط، بل يشمل اكتشاف الأصوات الجديدة ومنحها المساحة التي تستحقها.

كما ناقشت الأمسية مستقبل دمج ذوي الإعاقة البصرية في المشهد الثقافي عبر الحلول التقنية، وأكدت خلال حديثي أن مستقبل الوصول الثقافي لهذه الفئة يعتمد بصورة كبيرة على التوسع في المحتوى الصوتي والتقنيات الذكية والوسائط الرقمية الحديثة، خاصة مع محدودية إنتاج المطبوعات بطريقة برايل بسبب ارتفاع تكاليف إنتاجها ومحدودية سوقها.

من جانبها، تناولت الأستاذة أمل صالح شكر بأسلوبها الأدبي الرفيع تقاطعات الشعر مع الحياة وتجربتها مع الحضور الإعلامي للأديب من واقع خبرتها الشخصية، مؤكدة أهمية الشعر كوعاء إنساني قادر على نقل الإحساس والوصول إلى عمق المعنى، كما ألقت عددًا من القصائد التي تفاعل معها الحضور بصورة لافتة، وأعلنت عن عزمها إصدار ديوانها الثاني.

وفي فقرة المداخلات والأسئلة، تناول النقاش إمكانية تحويل كتاب «حصاد الظلام» أو تجربتي الشخصية إلى عمل مرئي، كما دار الحديث حول مشروع توثيق سيرة الأديب طاهر عبد الرحمن زمخشري، حيث رويت للحضور قصة قصيدة «أهيم بروحي على الرابية»، التي كتبها خلال فترة عمله في الإذاعة السعودية، حين كان يتولى مسؤوليات متعددة تتعلق بالبرامج والجولات الخارجية الخاصة بتغطية مواسم الحج والتنقل بين عرفات ومزدلفة ومنى وأيام التشريق.

وأوضحت أن القصة تعود إلى أواخر شهر ذي القعدة، حين وقع خلاف بينه وبين إدارة الإذاعة حول آلية تنفيذ برنامج الحج، فقرر طلب إجازة والسفر إلى القاهرة، حيث وصل ليلة الثلاثين من ذي القعدة ضيفًا على صديقه الدكتور محمد حياتي. وفي ظهيرة اليوم التالي، وبينما كان يستمع إلى نشرة الأخبار التي أعلنت خلالها المذيعة همت مصطفى ثبوت هلال الحج، شعر ـ كما وصف لاحقًا ـ بأنه ابتعد عن رسالة عاش لها سنوات طويلة، وأنه ترك موسمًا كان يمثل له أكثر من مجرد عمل إذاعي.

خرج بعدها والعبرة تخنقه إلى حديقة الحيوان بالقاهرة، وجلس وحيدًا بين الأشجار، وهناك بدأت كلمات «أهيم بروحي على الرابية» تتدفق دون تخطيط مسبق، قبل أن يعود سريعًا إلى جدة ليستأنف العمل في برنامج الحج. وكان يردد دائمًا باعتزاز أن تلك القصيدة أصبحت تُبث لاحقًا عبر عدد كبير من الإذاعات الإسلامية، حتى إنه سمعها بنفسه في إحدى ليالي عرفة تتردد من أكثر من محطة إذاعية في وقت واحد.

كما أجبت على استفسار الدكتور هاني الرحيلي حول كيفية تجاوزي للتحديات التي واجهتها أثناء كتابة «حصاد الظلام»، وكيف كنت أعاني في تلك المرحلة من تداخل الأسطر وضعف الرؤية الشديد، وهي معاناة يشترك فيها كثير من ضعاف البصر، قبل أن أتغلب عليها تدريجيًا من خلال تطوير أساليب خاصة بي في التدوين والعمل.

وأوضحت أن هذه المرحلة تُعد من أصعب المراحل وأكثرها تأثيرًا على نفسية الإنسان، وقد تدفعه أحيانًا إلى البكاء والانطواء، ولذلك فإنها تستلزم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا متزامنًا مع العلاج الوظيفي والتأهيلي.

تكريمي من قبل الدكتورة مريم حديدي والدكتور أحمد العدواني

واختتمت الأمسية بتكريمي والشاعرة أمل صالح شكر، إضافة إلى مقهى طبقات لاستضافته الفعالية، وذلك من قبل سفيري جمعية الأدب الدكتور أحمد العدواني والدكتورة مريم حديدي، وسط التقاط الصور التذكارية وتسليم شهادات التقدير، في أمسية جاءت امتدادًا لجهود سفراء جمعية الأدب بجدة في تنظيم فعاليات ثقافية تلامس تطلعات المبدعين وتسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي برؤى عصرية تواكب التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في القطاع الثقافي.

صورة تذكارية جماعية بعد اختتام الأمسية
صورة تذكارية جماعية بعد اختتام الأمسية

وكانت الأمسية فرصة جميلة للالتقاء بعدد من زملاء العمل القدامى في الخطوط السعودية الذين حضروا خصيصًا للمشاركة، ومن بينهم الزميل وليد باعشن، والملاح الجوي مراد بنجر.

صورة تذكارية مع الزميل مراد بنجر ويظهر ممسكا بعصا تصوير الجوال وبجانبه الأستاذ خالد دمنهوري وفي الجانب الأخر الزميل وليد باعشن
صورة تذكارية مع الزميل مراد بنجر ويظهر ممسكا بعصا تصوير الجوال وبجانبه الأستاذ خالد دمنهوري وفي الجانب الأخر الزميل وليد باعشن

بالإضافة إلى الإعلامي القدير بخيت الزهراني الذي أثنى خلال مداخلته على الأديب طاهر عبد الرحمن زمخشري، قبل أن ينشر لاحقًا منشورًا على حسابه في منصة X قال فيه:

وبحكم اهتمامي بالتوعية في مجال الإعاقة البصرية، استوقفني محدودية حضور الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، والجهات العاملة على خدمتهم، رغم أهمية الموضوع المطروح، وقد كانت الأمسية فرصة للتعرف للمرة الأولى على الأستاذ خالد دمنهوري، أحد الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، الذي روى لي قصته النادرة، إذ أوضح أنه نام سليم البصر في عام 2017م، ثم استيقظ فاقدًا لبصره نتيجة انفصال شبكي مفاجئ، خضع بعده لعدة عمليات ترميم متكررة للشبكية، قبل أن تتطور حالته إلى تلف كامل في العصب البصري وفقدان البصر نهائيًا، وهو اليوم في الثانية والستين من عمره، وقد أخبره الأطباء أن حالته تُعد من الحالات النادرة جدًا.

خارج الأمسية…

أثناء حضوري ومغادرتي لفت انتباهي تخصيص مواقف لذوي الإعاقة، وهي خطوة إيجابية ومحل تقدير، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تكن البيئة المحيطة مهيأة للحركة الآمنة والمستقلة. فلا تزال الأرصفة في كثير من المواقع تعاني من ضيق المسارات، أو وجود عوائق مثل أعمدة الإنارة والتشجير واختلاف مستويات الأرض، مما يصعّب حركة مستخدمي العصا البيضاء أو الكراسي المتحركة. وبرأيي، فإن تيسير المشي والوصول يجب أن يسبق مجرد تخصيص المواقف.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 60
Share