تعقيبًا على منشوري بشأن صدور الفسح الإعلامي لكتاب الدكتور محمد الفتني «60 موقفًا من واقع حياتي».
https://mohammedbellow.com/pusz
استوقفني تعليق الصديق الدكتور مقبل الذكير، لما حمله من معنى عميق حول قيمة تدوين الخبرات والذكريات، إذ كتب قال:
«جميل جدًا أن تدون هذه الخبرات والذكريات فتبقى مع الزمن شاهدة لتعرف الأجيال التالية التجارب والتحديات السابقة في مختلف مناحي حياتنا الاجتماعية والطبية والاقتصادية والتجارية، كلٌّ فيما يخصه، الأمر الذي يتيح عقد المقارنات بين حقب زمنية وأخرى، وكيف تطورت التجارب والخبرات وتغيرت التحديات.
ومن أمثلة أهمية تلك المذكرات والسير الذاتية لعقد المقارنات بين الحقب مؤلفات فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي رحمه الله، فله أكثر من مئة كتاب عن أحوال المسلمين في مختلف بلاد العالم، وكان قد ذكر أنه طالع كتاب رحلات ابن بطوطة أكثر من مرة، لذا كثيرًا ما كان يعمل دراسة مقارنة بين الأحوال في عهد ابن بطوطة ثم ما آلت إليه لاحقًا، فتكون من جوانب متعة المطالع لمثل هذه الكتب.»
وأجدني أتفق مع الدكتور مقبل في كل ما أشار إليه؛ فقد أصاب في التنبيه إلى واحدة من أهم وظائف هذا النوع من الكتب. فهي لا تحفظ الذكريات والتجارب الشخصية فحسب، بل تحفظ معها صورة المجتمع في زمنه، وتحولاته، وطبيعة تحدياته، وتفتح للقارئ باب المقارنة والتأمل بين الأمس واليوم.
وحين تُكتب مثل هذه السير والمذكرات بصدق ووعي، فإنها لا تبقى مجرد حكايات عن أصحابها، بل تصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية والمهنية للأجيال اللاحقة، وهذا ما يمنحها قيمة تتجاوز حدود المتعة إلى التوثيق والفهم واستحضار الخبرة الإنسانية في سياقها الزمني.
ولذلك سعيت، وما زلت أسعى منذ سنوات، إلى جمع السيرة الغيرية لجدي الأديب طاهر زمخشري رحمه الله؛ فقد عشت معه تحت سقف بيت واحد لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، ثم عدت إلى ما تركه من إرث أدبي وإنساني، فوجدت أن مسيرته تحمل تجارب وخبرات في الثقافة والأدب والإعلام، فضلًا عن جوانب إنسانية مهمة، خصوصًا ما يتعلق برعاية الأيتام والطفولة التي جلبت له لقب «بابا طاهر».
وقد كتبت عن بعض تلك الجوانب في مؤلفات مخصصة عنه، من أبرزها كتابي «سطور مضيئة من حكايات وذكريات بابا طاهر»، كما سردت بعضها في سياق سلسلة «رحلتي عبر السنين»، التي حرصت على ألا تكون مجرد سيرة ذاتية شخصية، بل مشروعًا ثقافيًا وتوثيقيًا متعدد الأجزاء، يوثق رحلة إنسانية امتدت لأكثر من ستة عقود، تداخلت فيها التحولات الاجتماعية والثقافية والمهنية مع أحداث وتجارب واقعية عايشتها داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.
وأرى أن كتاب الدكتور محمد الفتني «60 موقفًا من واقع حياتي» يندرج في هذا السياق المهم؛ فهو لا يقدّم مواقف شخصية فحسب، بل يفتح نافذة على تجربة طبيب عاش مسيرة مهنية وإنسانية طويلة، يمكن للأجيال اللاحقة أن تقرأ من خلالها جانبًا من تطور الممارسة الطبية، ومواقف إنسانية واجتماعية أخرى تستحق أن تُحفظ وتُروى.
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.