من القصص التي استوقفتني في مونديال 2026 قصة مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، ليس فقط لأنه أصبح واحدًا من الأسماء التي دار حولها الجدل في البطولة، بعد تعليق البطاقة الحمراء التي حصل عليها أمام البوسنة والهرسك وإتاحته للعب أمام بلجيكا، وما تبع ذلك من تعليق للرئيس ترامب بأن الفيفا «فعلت الشيء الصحيح»… بل لأن قصته نفسها بدأت قبل أن يولد.

فوالدا بالوغون من أصول نيجيرية، وكانا يعيشان في لندن. وفي عام 2001 سافرت والدته فلورنس إلى نيويورك لزيارة شقيقتها وهي حامل به. وحين أرادت العودة إلى بريطانيا، رفضت شركة الطيران صعودها إلى الطائرة بسبب تقدم الحمل، فاضطرت إلى البقاء في نيويورك حتى وضعت طفلها هناك في 3 يوليو 2001. وبعد نحو أربعين يومًا، عادت به إلى لندن، حيث نشأ وترعرع، وتدرج في أكاديمية أرسنال، قبل أن يلعب لاحقًا مع ميدلزبره وريمس وموناكو.

المفارقة أن بالوغون لم يكن، في الأصل، مشروع لاعب أمريكي. فقد نشأ في بريطانيا، ومثّل منتخبات إنجلترا السنية، وكان مؤهلًا أيضًا لتمثيل نيجيريا بحكم أصول والديه، لكن ولادته في بروكلين منحته الجنسية الأمريكية. وفي عام 2023 حسم خياره الرياضي واختار تمثيل المنتخب الأمريكي، ليمنح تلك الجنسية بعدًا آخر، ويمنح المنتخب الأمريكي لاحقًا مهاجمًا مهمًا في هذا المونديال.

وهنا تحولت قصته من حكاية رياضية إلى مثال حي في الجدل الأمريكي حول الجنسية بالولادة، خصوصًا مع محاولة الرئيس ترامب تقييد هذا الحق بأمر تنفيذي، قبل أن تُبطل المحكمة العليا الأمريكية ذلك المسعى قبل أيام. وقد وجد معارضو القرار في قصة بالوغون نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تخسره أمريكا لو ضيّقت هذا الباب: لاعب وُلد فيها على غير تخطيط، لكنه عاد بعد ربع قرن ليحمل قميص منتخبها، ويسجل أهدافًا باسمها، ويصبح أحد وجوهها في أكبر محفل كروي في العالم.

واللافت في القصة كلها أن ما منح أمريكا هذا اللاعب لم يكن برنامج اكتشاف مواهب، ولا مشروعًا رياضيًا طويل الأمد، بل رحلة لم تكتمل، وقرارًا اتخذته شركة طيران بدافع السلامة، ثم والدين أحسنا تربيته ورعايته حتى صار لاعبًا دوليًا يملك حق تمثيل أكثر من بلد، قبل أن يختار في النهاية تمثيل الولايات المتحدة.

أحيانًا لا تبدأ الحكايات الكبيرة من الملاعب، بل من صدفة عابرة، أو من رحلة مؤجلة، أو من أم حملت طفلها من مدينة إلى مدينة، دون أن تعلم أن ذلك الطفل سيصبح يومًا اسمًا في كأس العالم، وحجةً في نقاش يتجاوز كرة القدم نفسها.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 19
Share