وقد استوقفتني واقعة ما جرى بعد مباراة فرنسا وباراغواي في دور الـ16 من البطولة، التي أُقيمت صباح يوم الأحد 5 يوليو بتوقيت السعودية على ملعب لينكولن فاينانشال بمدينة فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

فبعد فوز المنتخب الفرنسي بهدف دون مقابل سجله كيليان مبابي، كتبت عضوة مجلس الشيوخ الباراغواني، السيناتور سيليستي أماريا، سلسلة من التعليقات العنصرية على حسابها في منصة X استهدفت فيها مبابي على خلفية أصله وهويته، ووصفتْه — بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الموثوقة — بأنه «كاميروني مستعمَر»، في خطاب حمل إساءات تمس الأصل والمظهر والانتماء، لا الأداء الكروي فحسب.

فما كان من مبابي بعد اطلاعه على تعليقاتها إلا أن رد عليها على حسابه في منصة X بقوله: “أنتِ امرأة حقيرة، لا تستحقين منصبكِ. أنتِ لا تمثلين باراغواي، البلد الذي أظهر شغفًا وشرفًا طوال البطولة. بسبب تهوركِ وعنصريتكِ الصارخة، نسي العالم بالفعل رحلة لاعبيكِ والجهد التاريخي الذي بذلوه خلال كأس العالم هذه”، وأضاف: “لن أسمح أبدًا لأمثالها بنشر كراهيتهم وعنصريتهم في جميع أنحاء العالم”.

ولم يقف الأمر عند حدود الردود المتبادلة، بل دخل سريعًا في المسار المؤسسي والقانوني. فبعد دقائق من نشر رده عليها تلقى مبابي دعمًا من فيليب ديالو، رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، الذي قال: “أُعلن دعمي الكامل لقائدنا، وللاعبين، وبشكل عام لجميع ضحايا هذه التعليقات البغيضة. لاعبو المنتخب الفرنسي يُمثلون فرنسا؛ بلدنا هو الذي يتعرض للإهانة”.

وقال ديالو أيضًا إن اتحاد كرة القدم الفرنسي: “سيقدم تقريرًا إلى مكتب المدعي العام تمهيدًا لاتخاذ إجراءات قانونية” بشأن هذه التصريحات “الإجرامية والمشينة”.

كما صرحت وزيرة الرياضة الفرنسية مارينا فيراري في بيان صحفي بأن “هذه التصريحات مُشينة ومُخزية، بل وغير مقبولة بتاتًا لأنها صادرة عن زعيم سياسي. لن نصمت أمام العنصرية”.

وأضافت: “بمهاجمة كيليان مبابي، تهاجم السيناتور كل ما يُمثله قائدنا، وكل ما تُدافع عنه بلادنا: الحرية والمساواة والإخاء.”

ومن جانبه، أدان رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو تصريحات السيناتور العنصرية “بشكل قاطع”، وكتب على حسابه في إنستغرام: “كرة القدم والمجتمع بأسره يتضامنان مع قائد المنتخب الفرنسي، وعلينا مكافحة العنصرية والقضاء عليها معًا”.

لم يقتصر دعم مبابي على ذلك فحسب، بل حصل على دعم من قصر الإليزيه بقوله: “إن الرئيس إيمانويل ماكرون يدعم كيليان مبابي والمنتخب الفرنسي في مواجهة الهجمات العنصرية التي استهدفت قائد المنتخب”. وأضاف القصر: “لقد وجّه رئيس باراغواي رسالة إلى الرئيس الفرنسي بهذا الشأن، يدين فيها التصريحات التي صدرت، كما فعلت وزارة الخارجية الباراغوانية”.

وكانت الحكومة الباراغوانية قد نأت بنفسها عن تصريحات أماريا، وفق ما أعلنته وزارة خارجيتها بقولها إنها “تتعارض مع القيم والمبادئ التي تُشجع على التعايش السلمي واحترام كرامة الإنسان، والتي تُعززها بلادنا”، وأن “سيليستي أماريا وحدها تتحمل المسؤولية بصفتها الشخصية… وإنها لا تُمثل بأي حال من الأحوال موقف حكومة جمهورية باراغواي أو شعبها”.

ومن جانبه، أبلغ مكتب المدعي العام في باريس وكالة أسوشييتد برس، يوم الثلاثاء 7 يوليو، أنه فتح تحقيقًا في قضية إهانة علنية خطيرة وتحريض على الكراهية أو العنف، وذلك بعدما تلقت الوحدة الوطنية لمكافحة الكراهية على الإنترنت شكوى من الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بشأن ما وجّهته السيناتور الباراغوانية من إساءات عنصرية إلى كيليان مبابي عقب خسارة باراغواي أمام فرنسا في كأس العالم.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: فبدل أن يبقى الحديث عن منتخب قدّم حضورًا مشرفًا في البطولة، تحوّل الاهتمام إلى خطاب كراهية صدر عن شخصية عامة يفترض أنها أقدر من غيرها على وزن الكلمة وتقدير أثرها.

والحقيقة أنني لم أسرد هذه الواقعة من أجل التعاطف مع مبابي لمجرد أنه نجم عالمي، بل من أجل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه نحن في مجتمعاتنا العربية من مثل هذه الوقائع، سواء على شبكات التواصل الاجتماعي أو في قنواتنا الرياضية.

إذ إن الحماسة تأخذ أحيانًا بعض المحللين أو المعلقين الرياضيين أو ضيوفهم أثناء تحليل مباريات المنتخبات التي يشجعونها، فيندفعون إلى تناول أصول اللاعبين أو أعراقهم دون مبرر، أو إلى اتهام الحكام بالتحيز والتمييز لمجرد أن نتيجة المباراة أو بعض قراراتها لم تأتِ كما يشتهون.

وقد لاحظت هذا بنفسي أثناء متابعتي لتحليلات بعض ضيوف إحدى القنوات الرياضية، حين دفعت الحماسة أحدهم إلى التهجم على الحكم واتهامه بالتحيز ضد الفريق الذي كان يشجعه. وهذا، في تقديري، لا يقل خطورة عن بعض الممارسات الجماهيرية، لأنه يصدر عبر وسائل إعلام مؤثرة، ويغذي مشاعر الغضب والاتهام والتشكيك لدى المشاهدين، وينمّي الكراهية للفريق الخصم وجماهيره بطريقة غير مباشرة.

والواقع أن مشكلة العنصرية في الملاعب ليست وليدة اللحظة، فقد كتبت عنها حينما أدان رئيس وزراء بريطانيا الأسبق بوريس جونسون، والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، الإساءات العنصرية التي تعرض لها عدد من لاعبي منتخب إنجلترا السود (جادون سانشو، وماركوس راشفورد، وبوكايو ساكا) من بعض الجماهير الإنجليزية على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب إهدارهم ضربات الجزاء في مباراتهم أمام المنتخب الإيطالي في بطولة يورو 2020. واعتقلت الشرطة الإنجليزية عشرات المسيئين، وجرى التحقيق معهم وإحالتهم للمحاكمة، كما قامت منصات التواصل الاجتماعي بحذف مئات الرسائل المسيئة وحظر حسابات أصحابها.

وكلمتي الأخيرة في هذا السياق هي أن اللاعب، طالما لبس قميص منتخب وطنه، فهو ابنه ويمثله مهما كان لونه أو جنسه أو عرقه، ولا يحق لأي أحد التجاوز عليه، وأن على المجتمعات أن تتعاطى مع أي تجاوزات لا بوصفها “تفريغ غضب” أو “حرية تعبير مطلقة”، بل على أنها سلوك يُساءل عنه صاحبه، ويحاسب عليه.

وعلى ضيوف القنوات الرياضية والمحللين الرياضيين الحذر من الانفعال والتحيز للمنتخب أو للنادي الذي يشجعونه؛ فذلك لا يمنحهم حق السقوط في العنصرية أو الإهانة أو الاتهام غير المسؤول، سواء للحكام أو اللاعبين.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 5
Share