في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، كان العمل الصيفي لطلاب المدارس والجامعات ثقافة راسخة، يكتسب منها الشباب خبراتهم الأولى، وتستفيد منها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في الوقت نفسه.
وكنت أحد أولئك الذين خاضوا هذه التجربة، فبعد نجاحي في شهادة الكفاءة المتوسطة عام 1977م بتقدير جيد جدًا، حصلت على أول فرصة عمل صيفي في الخطوط السعودية لمدة ثلاثة أشهر بقسم خدمات العفش بـ “مطار جدة الدولي” القديم الواقع آنذاك بين حي الكندرة والشرفية قبل أن ينتقل إلى موقعه الحالي باسمه الجديد “مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة”.
وكانت تلك التجربة اللبنة الأولى التي بُني عليها حلمي بالعمل في الخطوط السعودية.
وخلال تلك الأشهر الثلاثة عشت مواقف وتجارب لا تزال عالقة في ذاكرتي؛ من أول درس تعلمته في كيفية التعامل مع المسافرين، إلى موقف إنساني مع راكب كفيف، لم أكن أعلم حينها أن الأيام ستدور، وأنني سأكون يومًا في موقفه، لألتقط خيطًا يقودني بعد سنوات إلى المشاركة في ابتكار خدمة «وجبة الراكب الكفيف»، التي أصبحت أول منظومة سفر في العالم خُصصت لخدمة الركاب المكفوفين، ونالت عنها الخطوط السعودية أرفع الجوائز العالمية في صناعة الطيران التجاري.
كما كان أول راتب أتقاضاه سببًا في أول رحلة أقوم بها إلى مصر، وهناك عشت مواقف طريفة وأخرى لا تخلو من الدروس والعبر، لا تزال تفاصيلها ترسم الابتسامة على وجهي كلما استعدتها. من متابعة محمد الحلو من شرفة عمارة الإعلام أثناء تدريبه أسدَه “سلطان”، الذي افترسه بعد سنوات، إلى الخطى نحو كازينو الليل بشارع الهرم.
واليوم، وبعد مرور كل تلك السنوات، أدرك أن العمل الصيفي لم يكن مجرد وسيلة لكسب المال أو استثمار الإجازة، بل كان مدرسة حقيقية صنعت كثيرًا من الخبرات، وأسهمت في رسم ملامح مستقبل كثير من أبناء جيلي، وربما نفتقد مثلها في وقتنا الحاضر.
هذه واحدة من ملامح الحياة الاجتماعية التي عشتها وحرصت على توثيقها في سلسلة «رحلتي عبر السنين»، لعلها تنقل إلى جيل اليوم شيئًا من دفء تلك الأيام، وتبقى شاهدًا على مرحلة من تاريخنا الاجتماعي.
https://store.soo2ur.com/ar/rihlati-series
الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.