تابعت منذ أيام أفراد الأسرة وهم يستخرجون نتائج اختباراتهم النهائية عبر المنصات الإلكترونية، فأعادتني الذاكرة إلى مشهد عشته قبل تسعة وأربعين عامًا ووثقته في سلسلة «رحلتي عبر السنين».
فقارنت كيف كنا، في مثل هذه الأيام، بعد صلاة الفجر، نتجمع أمام مكتبة النعماني بشارع المطار في حي الشرفية، ننتظر وصول الصحف التي تحمل أسماء الناجحين، بعد أن أُذيعت عصر اليوم السابق عبر الراديو. وما يعقب ذلك من فرحة تعم البيوت والحارات، وفتح صناديق «البيبسي» ورج القوارير ليتطاير المشروب في الهواء تعبيرًا عن الفرح بالنجاح.

ولم تكن الفرحة تقف عند هذا الحد، بل تبدأ بعدها بأيام حفلات النجاح التي كانت تقيمها الأسر في البيوت. وفيها تُشرب قهوة اللوز، أو ما يُعرف بالقهوة الحلوة أو القهوة الحجازية، التي يظن البعض أنها ارتبطت بأول يوم من السنة الهجرية، بينما كانت في الحقيقة عند أهل الحجاز مشروبًا يرافق معظم المناسبات السعيدة.

وكنا، شأننا شأن كثير من الأسر، نحتفل بهذه المناسبة بطبق السليق بالدجاج بنكهة المستكة، واستئجار فيلم من محلات السينما، ليكون ختام تلك الأمسية التي ما زالت تفاصيلها عالقة في ذاكرتي.

لم تكن تلك بالنسبة لي مجرد طقوس اجتماعية، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن قيمة النجاح، واحتفاءً عائليًا يشارك فيه الجميع، ويترك أثره في الذاكرة لسنوات طويلة.

تلك واحدة من ملامح الحياة الاجتماعية التي عشتها وحرصت على توثيقها في سلسلة «رحلتي عبر السنين»، لعلها توقظ ذاكرة من عاشوا تلك الأيام، وتمنح جيل اليوم صورة حية عن تفاصيل جميلة عاشها آباؤهم، حين كان للنجاح طقوسه، وللفرح مذاقه، وللاجتماع الأسري دفؤه الذي لا يُنسى.
https://store.soo2ur.com/ar/rihlati-series

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 4
Share