«الجزيرة» – وائل العتيبي:
لم يمت الكتاب، ولم يختفِ قارئه كما توحي بعض القراءات المتعجلة للمشهد الثقافي؛ الذي تغيّر، في جوهره، هو شكل العلاقة بين الاثنين. فالقارئ الذي كان يذهب إلى المكتبة بحثًا عن كتاب، أصبح اليوم محاطًا بملايين الكلمات والصور والمقاطع والمنصات، فيما انتقل الكتاب من منافسة الكتب وحدها إلى منافسة كل ما يستطيع أن يستحوذ على عين القارئ ووقته واهتمامه.
من هذه الزاوية يقرأ الكاتب والمؤلف والمحرر الأدبي والوكيل الأدبي السعودي المرخّص من وزارة الثقافة محمد توفيق بن أحمد بلو تحولات المشهد، مؤكدًا أن الحديث عن «انحسار القراءة» يحتاج إلى قدر من التريث؛ فالقارئ، في رأيه، لا يزال حاضرًا، لكنه أصبح أكثر انتقائية، وتبدلت طرائق وصوله إلى المعرفة، كما تغيرت ذائقته تحت تأثير بيئة رقمية سريعة الإيقاع.
ويرى بلو أن منصات التواصل والمحتوى المرئي والمقاطع القصيرة لم تسحب القارئ من الكتاب بقدر ما أعادت توزيع انتباهه. وأصبح الكتاب واحدًا من خيارات كثيرة تتنافس على الساعات نفسها، وهو ما يفسر جانبًا من التحولات التي طرأت على اهتمامات اليافعين والشباب، مع بروز الإقبال على الروايات، ولا سيما الفانتازيا والخيال، إلى جانب حضور كتب بعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي.
غير أن هذه الظاهرة تفتح، بحسب بلو، سؤالًا يتجاوز حدود السوق إلى صميم الثقافة: كيف تُصنع قيمة الكتاب في عصر الشهرة الرقمية؟ فشهرة المؤلف قد تصبح في بعض الحالات عاملًا مؤثرًا في قرار الشراء أكثر من جودة المحتوى، بما يجعل الاسم والصورة والحضور الرقمي جزءًا من اقتصاد الكتاب، ويضع المؤلف أمام واقع جديد لم يعد فيه النص وحده هو الذي يبحث عن قارئه.
وهنا تتغير وظيفة الناشر أيضًا؛ فلم يعد دوره ينتهي بإنتاج الكتاب ووضعه على رف المكتبة، بل أصبح مطالبًا بصناعة حضور الكتاب نفسه، من اختيار المحتوى وتحريره وإخراجه، إلى تسويقه وبناء جمهوره والوصول إليه. فالكتاب، في السوق الجديدة، لا ينتظر قارئه بالضرورة؛ بل عليه أن يخوض معركة للوصول إليه.
لكن هذه المعركة تبدأ قبل التسويق، وقبل أن يصل الكتاب إلى السوق أصلًا. ويشير بلو إلى أن كثيرًا من المؤلفين الجدد يختزلون تكلفة الكتاب في الطباعة، بينما تمر صناعة الكتاب الجيد بسلسلة من المراحل تشمل التحرير والتدقيق اللغوي والتصميم والإخراج والتجهيز والتسويق، وكل مرحلة منها تمثل تكلفة ضرورية للحفاظ على جودة المنتج وقدرته على المنافسة.
ومن واقع تجربة «سطور للنشر»، يستشهد بلو بأحد إصدارات عام 2025، إذ بلغت تكلفة طباعة 155 نسخة نحو 5,650 ريالًا، فيما بلغت الإيرادات 6,773 ريالًا، أي بفارق لا يتجاوز 1,123 ريالًا، قبل احتساب المصروفات الإدارية والتسويقية والتشغيلية. وفي هذا المثال تتضح مفارقة صناعة الكتاب: يمكن للكتاب أن يُباع ولا يحقق ربحًا حقيقيًا.
ولا يرى بلو أن تراجع حجم الطبعات الداخلية يعني بالضرورة تراجع حضور الكتاب؛ فاقتصاد النشر نفسه تغير. فالطبعات الكبيرة لم تعد دائمًا الخيار الأفضل لدور النشر الصغيرة، التي قد تجد نفسها أمام مخزون راكد ورأس مال مجمد في مستودعاتها. لذلك يصبح الإنتاج وفق حركة الطلب أقرب إلى إدارة اقتصادية أكثر حذرًا للمخاطر.
لكن المشكلة، كما يراها بلو، لا تتعلق بعدد النسخ بقدر ما تتعلق بالمسافة التي تفصل الكتاب عن قارئه.
فقنوات التوزيع والبيع تمثل إحدى أكثر نقاط الضغط على اقتصاد النشر؛ إذ قد تصل نسبة بعض نقاط البيع والمكتبات، وفق تجربته، إلى نحو 50 % من قيمة الكتاب. وبعد اقتطاع هذه النسبة وتقاسم العائد المتبقي بين الناشر والمؤلف، ينكمش الهامش بصورة كبيرة، فتظهر فجوة بين القيمة التي يراها القارئ على غلاف الكتاب والقيمة المالية التي تعود إلى أطراف إنتاجه.
حتى معارض الكتب، التي تبدو في الوعي الثقافي فضاءً للاحتفاء بالكتاب، لا تضمن بالضرورة جدوى اقتصادية للناشر الصغير. ويستشهد بلو بمشاركة بلغت تكلفتها نحو 10 آلاف ريال، شملت الاشتراك والسفر والشحن وتوفير موظف للمبيعات، فيما لم تغطِّ المبيعات حتى 10 % من تلك التكلفة.
وهنا تتسع القضية: هل يمكن أن تزدهر ثقافة الكتاب من دون اقتصاد قادر على حملها؟
بلو، الذي خاض تجربة التأليف والنشر شخصيًا، لا يقدم إجابة نظرية فقط؛ فهو مؤلف لثمانية كتب، ويقول إن ما حققته له تجربته من علاقات وانتشار وسمعة أدبية كان أكبر بكثير مما حققته من عائد مالي مباشر، بل تكبد خلالها خسائر مالية متراكمة. وهي مفارقة تختصر جانبًا من واقع الكاتب: قد يراكم رأس مال رمزيًا وثقافيًا كبيرًا، بينما لا يوازيه بالضرورة عائد اقتصادي يتناسب مع سنوات البحث والكتابة والتحرير.
وفي المقابل، يمنح البيع الإلكتروني الناشر مساحة أفضل في بعض الحالات، خصوصًا مع انخفاض تكلفة تشغيل المتجر مقارنة ببعض قنوات البيع التقليدية، لكنه لا يلغي المعادلة الصعبة؛ فعبء التسويق ينتقل إلى الناشر، وتصبح المنافسة على الظهور الرقمي مكلفة، ثم تظهر مشكلة الشحن التي قد تصل إلى 25 ريالًا للكتاب الواحد، وهي تكلفة قد تقترب من سعر الكتاب نفسه أو تتجاوزه، ما يدفع بعض المشترين إلى التراجع عن إتمام الطلب.
لهذا لا يرى بلو أن معالجة أزمة الكتاب تكون بمجرد خفض الأسعار أو زيادة الطبعات، وإنما بإعادة النظر في البنية الاقتصادية لصناعة النشر. ويدعو إلى تمويل ميسر لدور النشر الصغيرة، سواء من صندوق التنمية الثقافي أو القطاع المصرفي، وإلى توسيع الجوائز والمسابقات وتنويع مستوياتها؛ بما يحفز حركة التأليف والقراءة والشراء ويمنح الكتاب دورة اقتصادية أكثر حيوية.
كما يدعو إلى تحرير الكتاب من جغرافية المكتبة التقليدية، وإيصاله إلى المقاهي والأسواق والمتاجر وغيرها من الأماكن التي يتواجد فيها الجمهور. فكل منفذ بيع جديد، في نظره، ليس مجرد قناة توزيع، بل فرصة للاقتراب من قارئ جديد، وخلق منافسة يمكن أن تسهم في تخفيف العمولات المرتفعة.
أما التحول الرقمي، فيراه بلو فرصة لإعادة بناء علاقة الكتاب بسوقه؛ من خلال منصات منخفضة التكلفة تساعد دور النشر الصغيرة على إنتاج الكتب الإلكترونية والصوتية وتسويقها وبيعها داخل المملكة وخارجها. وهنا لا تصبح التقنية خصمًا للكتاب، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لإنقاذه من محدودية الرف التقليدي وتوسيع عمره وسوقه.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة بلو الشخصية أكثر من خلفية للسيرة؛ فقد بدأ حياته العملية في الخطوط الجوية العربية السعودية، ثم اضطر إلى التقاعد المبكر بعد فقدانه البصر تدريجيًا نتيجة مرض وراثي نادر في شبكية العين، قبل أن يتحول إلى مسار التأليف والنشر والعمل الثقافي. ومن تجربته خرج كتاب «حصاد الظلام»، كما واصل مشروعه في «رحلتي عبر السنين»، إلى جانب حضوره في مجال الوكالة الأدبية وتوثيق سيرة الأديب السعودي الراحل طاهر زمخشري.
ولعل هذه التجربة تمنح حديثه عن الكتاب معنى إضافيًا؛ فهو لا يتحدث عن صناعة بعيدة عنه، وإنما عن كتاب كتبه، وسوق نشر تعامل معه، وقارئ حاول الوصول إليه، واقتصاد ثقافي اختبر مكاسبه وخسائره.
وفي خلاصة رؤيته، لا تبدو أزمة القراءة أزمة قارئ فقد الرغبة في المعرفة، وإنما أزمة نموذج يتغير بسرعة. القارئ تغيرت عاداته، والكاتب تغيرت أدوات وصوله، والناشر أصبح مطالبًا بفهم السوق والتقنية وسلوك الجمهور، فيما لم يعد الكتاب قادرًا على الاكتفاء بمكانه التقليدي فوق الرف.
فالكتاب، كما يقول بلو في جوهر رؤيته، ليس مجرد أوراق تُطبع وتوضع في مكتبة؛ إنه منتج فكري يبدأ بالتأليف، ويمر بالتحرير والإنتاج والطباعة والتسويق والتوزيع، وينتهي عند القارئ. وإذا كانت الثقافة تريد لصناعة الكتاب أن تستمر، فإن المطلوب ليس إعادة القارئ إلى الماضي، بل إعادة ابتكار الطريق الذي يصل به الكتاب إلى قارئ الحاضر.
وهنا تكمن المفارقة الأهم: الكتاب لم يخسر القارئ.. وإنما دخل سوقًا جديدة، وأصبح عليه أن ينافس فيها على أثمن ما يملكه الإنسان المعاصر: وقته.

الرابط المختصر لهذا المقال:

كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.