في الخامس عشر من أكتوبر 2026م، الذي يصادف احتفاء العالم باليوم العالمي للعصا البيضاء بوصفها رمزًا لاستقلالية المكفوفين، وجدت نفسي أجلس مرة أخرى أمام مرآة الزمان، لأستحضر من ذاكرتي مثل هذا اليوم من عام 2003م، حين وصلت إلى نيويورك، مدينة التفاحة الكبيرة، في يوم خريف ماطرٍ، عبر مطار شارل ديغول بباريس، قادمًا من جدة التي غادرتها في الرابع عشر من أكتوبر على متن الخطوط الجوية الفرنسية، برفقة زوجتي أم سندس، وابنيَّ سندس وسامي، واختصاصيتي البصريات وداد عباس ولمى شونو، بعد غياب عن المدينة دام نحو سبع سنوات.

وقد التحق بنا استشاري طب العيون الدكتور محمود شحاتة، رحمه الله، واختصاصي البصريات عامر سلامة من جدة، واستشارية طب العيون الدكتورة بشرى بيومي من القاهرة.

يومها لم أكن أتخيل أنني سأعود إلى نيويورك لأترأس هذا الفريق الطبي، ونتلقى برنامجًا تدريبيًا لنكون نواة لإطلاق مشروع «إبصار/لايت هاوس» للعناية بضعف البصر وإعادة التأهيل في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

كانت عودتي إلى «مدينة التفاحة الكبيرة» تحمل بالنسبة إليَّ معنى أكبر بكثير من مجرد مهمة عمل؛ فقد كانت عودة إلى المدينة التي ارتبطت بأجمل سنوات شبابي، وبداياتي المهنية على الرحلات الدولية، ومغامراتي الموسيقية وهواياتي وصداقاتي، قبل أن يبعدني عنها تدهور بصري ونقلي من عملي طاهيًا جويًا متخصصًا على رحلات نيويورك إلى عمل أرضي عام 1989م.

كانت هذه الرحلة مختلفة في كل شيء عن رحلاتي السابقة إلى نيويورك، فقد حفلت بمواقف وأحداث مليئة بالعبر والدروس، بدءًا بتخلّف حقائبنا في باريس، ما دعا شركة الطيران إلى الاعتذار لنا وتزويدنا ببعض المستلزمات الضرورية من قمصان وفُرَش ومعجون للأسنان، مع الوعد بإيصال الحقائب على الرحلة التالية.

غادرنا المطار متجهين إلى فندق «متروبوليتان» في مانهاتن، حيث سنقيم. وفي الطريق أخذت أستعيد صور المدينة التي عرفتها خلال سنوات عملي الجوي، متسائلًا عما تغير من معالمها خلال غيابي، وما بقي منها كما احتفظت به ذاكرتي.

وصلنا إلى الفندق وأخذنا قسطًا من الراحة لساعات، ثم التقينا لتناول طعام العشاء. وكانت المفاجأة عند عودتنا أن الخطوط الفرنسية قد أوصلت حقائبنا إلى غرفنا.

وفي صبيحة اليوم التالي، السادس عشر من أكتوبر، غادرت أم سندس وابناي إلى ولاية مين لزيارة أسرتها، أما أنا فبدأت البرنامج بجمع الفريق في مقهى مجاور للفندق، تناولنا فيه طعام الإفطار وتعمّق خلاله تعارفنا؛ إذ لم أكن أعرف عن قرب سوى الدكتور محمود شحاتة، رحمه الله، الذي عرفته منذ أبريل 2001م، عندما زرته في عيادته بمستشفى مغربي بطريق المدينة في جدة، ضمن استطلاع ميداني كنت أجريه عن خدمات ضعف البصر المحلية، بحكم أنه كان ممن يقدمونها جزئيًا في ذلك الوقت.

وفي أثناء جلوسنا، أدركت إحدى عاملات المقهى أننا عرب، فرحبت بنا وعرّفتنا بنفسها، وأن اسمها فاطمة، وهي مغربية هاجرت إلى أمريكا منذ سنوات، واشتاقت إلى لقاء العرب وسماع الأحاديث العربية.

ومنذ ذلك اليوم أصبحنا نتردد على المقهى كل صباح، وكانت تتولى استقبالنا وخدمتنا، ونتبادل معها الحديث والنكات، خصوصًا الدكتور محمود الذي كان مرحًا بطبيعته.

غادرنا المقهى متجهين إلى مركز «لايت هاوس»، الذي لم يكن يبعد عنا بأكثر من خمس عشرة إلى عشرين دقيقة سيرًا على الأقدام.

وبمجرد معرفتي برقم الشارع الذي كنا فيه، عرفت كيف أسلك طريقي بعصاي البيضاء، عابرًا الشوارع وفق إشارات عبور المشاة، بينما كان الجميع يتبعني.

لاحظت دهشتهم من معرفتي بمواقع الشوارع والمعالم، فقد كانت تلك أول تجربة لهم في الاحتكاك المباشر بشخص ذي إعاقة بصرية في مواقف الحياة اليومية، بينما كان تنظيم شوارع مانهاتن مألوفًا لديَّ.

وصلنا إلى مبنى «لايت هاوس»، حيث كانت الدكتورة ماريان لينج، رئيسة البرامج الدولية، وزميلتها كارين سيدمان، مديرة برامج إعادة التأهيل والتعليم المستمر، في استقبالنا. ورحبتا بنا واصطحبتانا إلى قاعة المؤتمرات بالطابق السفلي من المبنى.

كان من المقرر أن يبدأ برنامجنا بالمشاركة، على مدى ثلاثة أيام، في مؤتمر «لايت هاوس» السنوي المتخصص في ضعف البصر.

دخلنا القاعة وكانت تعج بالمختصين. وعلى مدى الأيام الثلاثة كنت سعيدًا وأنا أستمع إلى انطباعات أعضاء الفريق وانبهارهم بما كانوا يتلقونه من معلومات جديدة بالنسبة إليهم، وبالأسلوب الذي تُناقش به مشكلات ضعاف البصر من زوايا طبية ونفسية واجتماعية ومهنية.

أما أكثر ما أثار انتباهي ورَسَخ في ذاكرتي، فكانت محاضرة تناولت كيفية إقناع المريض ضعيف البصر بالتوقف عن قيادة السيارة، وأن حياته لا تنتهي بذلك القرار. وقد ذكّرتني بتلك الأيام التي كنت أقاوم فيها ضرورة التوقف عن القيادة مع تطور حالتي البصرية.

وبعد انتهاء أيام المؤتمر، كان علينا أن نبدأ الجزء الثاني من برنامجنا التدريبي في العشرين من أكتوبر، وقد استهللناه بيوم مثير يصعب محوه من ذاكرتي.

ففي ذلك الصباح خرجنا من الفندق وسط رذاذ من المطر متوجهين كعادتنا لتناول الإفطار في المقهى المجاور للفندق، واستقبلتنا السيدة فاطمة المغربية، وقدمت لنا طلباتنا، وحدثتنا عن افتقادها لأولادها الذين لا يزالون يعيشون في المغرب، وأنها تعمل من أجلهم. وتعاطفنا معها، خصوصًا الدكتور محمود.

غادرنا المقهى في طريقنا إلى «لايت هاوس»، وكنت أتقدم المجموعة، أتحدث تارة مع اختصاصية البصريات وداد، وتارة مع لمى شونو. وفجأة جاء الدكتور محمود من الخلف بخطوات سريعة، وأمسك بيدي ووضعها على ذراعه، ثم قال مازحًا بلهجته المصرية، مشيرًا إلى زميلتينا لمى ووداد: «دول ستات ما يعرفوش يمشوا، سيبك منهم!»، وانطلق بي بخطوات سريعة نحو «لايت هاوس»، تاركًا بقية المجموعة تسير خلفنا.

كان في حالة من الحماس للبرنامج الذي سيبدأ، ولم يكن في ذلك الصباح ما يجعلني أتوقع أننا نسير معًا للمرة الأخيرة!

وصلنا، واصطحبتنا الدكتورة ماريان إلى أحد الفصول التدريبية لمراجعة تفاصيل البرنامج الذي سيمتد خلال الأيام التالية، واستلام جدوله ومستلزمات التدريب، وتحديد الأماكن التي سيُنفذ فيها الجانب النظري والتطبيقي.

اجتماع فريق مشروع «إبصار» مع مسؤولي «لايت هاوس» في نيويورك، لمناقشة البرنامج التدريبي الذي مهّد لإطلاق خدمات العناية بضعف البصر وإعادة التأهيل في المملكة، أكتوبر 2003م

وكان من المقرر أيضًا أن نلتقي موظفي «لايت هاوس» في قاعة المحاضرات أثناء استراحة الغداء، لنقدم كلمات نعرّف فيها بأنفسنا وبالبرنامج وتطلعاتنا منه.

واتفقنا على أن يبدأ الدكتور محمود الحديث، ثم يتحدث بقية أعضاء الفريق، على أن أكون آخر المتحدثين لأشرح كيف بدأت علاقتي بـ«لايت هاوس» منذ عام 1994م، وكيف تطورت الفكرة إلى هذا المشروع.

وعندما حان الوقت، ذهبنا جميعًا إلى قاعة المحاضرات التي امتلأت بموظفي «لايت هاوس». وألقت كارين كلمة رحبت فيها بنا وعرّفت الحضور بأعضاء الفريق، على أن نبدأ كلماتنا بعدها، بدءًا بالدكتور محمود.

في هذه الأثناء بدت على الدكتور محمود علامات التعب، وغادر القاعة مرتين أثناء إلقاء الكلمات ثم عاد، وهمس في أذني طالبًا أن أسبقه في الدور، لأنه يشعر بالتعب ويريد الخروج قليلًا.

وأثناء إلقائي كلمتي اقتربت مني ماريان، وهمست بأن الدكتور محمود ليس على ما يرام، وأنه موجود في عيادة «لايت هاوس» بالطابق السفلي.

فاختصرت كلمتي وشكرت الحضور، وغادرت القاعة لأستطلع الأمر، بينما بقي بقية أعضاء الفريق يلقون كلماتهم واحدًا تلو الآخر.

ذهبت إلى مكتب الدكتورة ماريان، حيث كانت تتابع مع العيادة وضع الدكتور، ثم جاء الاتصال الذي لم نكن مستعدين له.

كانت حالته قد تدهورت بصورة خطيرة، وتم الاتصال برقم الطوارئ 911 واستدعاء الإسعاف لنقله إلى المستشفى برفقة إحدى ممرضات عيادة «لايت هاوس».

وفي تلك الأثناء كان الدكتور محمود قد ترك هاتفه الجوال في مكتب الدكتورة ماريان، وكانت زوجته تتصل به من السعودية بصورة متكررة.

فأجبت عن اتصالها وعرّفتها بنفسي، وأخبرتها بأنه مشغول وسأبلغه ليتصل بها لاحقًا.

وبعد وقت قصير تلقت ماريان اتصالًا آخر يفيد بوفاة الدكتور محمود في الطريق إلى المستشفى إثر سكتة قلبية.

أبلغتني بالخبر وهي في حالة من الذهول والصدمة، أما أنا فوجدت نفسي أمام موقف صعب. وفي تلك الأثناء بدأ الخبر ينتشر في المبنى، وجاء أعضاء الفريق إلى مكتب الدكتورة ماريان ليفاجَؤوا بالخبر الصادم.

فالرجل الذي كان يمسك بذراعي قبل ساعات، ويمازح زميلاتنا في الطريق إلى المركز، وكان يجلس معنا قبل قليل يناقش برنامج التدريب، رحل فجأة، بعيدًا عن أسرته ووطنه.

وجدت نفسي أمام اختبار لم يكن في الحسبان؛ فأنا رئيس الفريق، ومسؤول عن زملاء يعيشون لحظات من الحزن والارتباك، وعن زميل توفي في بلد أجنبي، وأسرته تنتظر أخبارًا عنه.

توالت اتصالات زوجته عدة مرات دون أن أجيب، وأخيرًا أجبت عن اتصالها للمرة الثانية، وأخبرتها بأن الدكتور متعب وموجود في العيادة، وأننا سنعاود الاتصال بها. وشعرت من نبرة صوتها أنها لم تعد مطمئنة إلى ما أقوله، وأنها تستشعر حدوث أمر ما.

في غضون ذلك تمالكت نفسي؛ إذ كان عليَّ أن أطمئن زملائي وأساعدهم على تجاوز وقع الخبر، ولا سيما الزميلات اللواتي تأثرن بشدة.

وكان الاختصاصي عامر سلامة سندًا مهمًا لي في متابعة ما استجد من إجراءات.

أما الدكتورة ماريان ونائبتها نيكولا شيفرد، فقد بادرتا إلى تنسيق ما يلزم من جانب «لايت هاوس»، والتواصل مع الجهات المعنية، وترتيب المساندة التي يمكن تقديمها لنا.

وكان أصعب ما واجهته في البداية التعامل مع اتصالات أسرة الدكتور محمود؛ فقد كانت زوجته تحاول الاطمئنان عليه، بينما كنت أبحث عن الطريقة المناسبة لإبلاغها بخبر لا يمكن أن يكون سهلًا على أحد.

وبعد الرجوع إلى جهات الاتصال في جواله، وجدت رقما لشقيقه المقيم في لندن فاتصلت عليه وعرفته بنفسي وأبلغته بما حدث، ليتولى إخبار زوجته التي حادثتني بعد أن وصلها الخبر.

ولا تزال تلك المكالمات من المواقف التي يصعب عليَّ نسيانها.

كان علينا التعامل مع إجراءات الوفاة الرسمية، وبدأنا رحلة أخرى لم تكن واردة في أي جدول عمل، وشكّل «لايت هاوس» فريق عمل لمتابعة الإجراءات.

حيث انتقلت مع الفريق إلى المستشفى لمتابعة الإجراءات، وعلمت أن الإجراءات المتبعة تستلزم تشريح الجثمان، ما لم تتقدم الأسرة باعتراض رسمي وفق المتطلبات المعمول بها.

ولذلك كانت الخطوة الأولى التي يجب عليَّ اتخاذها التواصل مع أسرته بهذا الشأن.

وأخذنا من المستشفى الأوراق الرسمية المثبتة للوفاة، وعدنا إلى الفندق وأبلغنا إدارته، فجرى فتح غرفة الدكتور محمود وحصر جميع متعلقاته ومقتنياته من أوراق وجواز سفر وتذاكر ومستلزمات شخصية، بحضور ممثل عن الشرطة ومسؤول الأمن بالفندق وفني فتح الخزائن، وتوثيقها في محضر رسمي، وتسليمي إياها، وإقفال حساب إقامته بالفندق.

وتواصل التنسيق مع أسرته التي أرسلت خطابًا موثقًا تطلب فيه عدم تشريح الجثمان ونقله إلى بلده الأم «مصر».

وفي تلك الأثناء كان «لايت هاوس» قد نسّق مع أحد المراكز الإسلامية، وجرى تكليف إمام لمساندتنا في الإجراءات الدينية والرسمية المتعلقة بتجهيز الجثمان ونقله إلى بلده، وقد تحمل «لايت هاوس» تكاليف ذلك في البداية، ريثما تواصلت مع معالي الدكتور أحمد محمد علي، رئيس اللجنة التنفيذية لمشروع «إبصار» آنذاك، والدكتور عاكف المغربي، بصفته رئيس مجلس إدارة مستشفيات مغربي، وأبلغتهما بما حدث، وطلبت تحويل التكاليف إلى حساب «لايت هاوس».

وهكذا كان للمساندة العاجلة والتعاون الإنساني من «لايت هاوس» دور كبير في تخفيف المحنة التي واجهناها، ومساعدتي على اجتياز أول وأصعب اختبار في مسيرتي مع المشروع.

ولم تكن خسارتنا للدكتور محمود إنسانية فحسب؛ فقد كنا نعوّل عليه في قيادة الجانب الطبي للمشروع، بوصفه الوحيد بين أعضاء الفريق الطبي الذي يمتلك خبرة أكاديمية وممارسة مهنية في العناية الإكلينيكية بضعف البصر.

وعقب الانتهاء من تلك الإجراءات عدنا إلى برنامجنا، بدءًا بإفطارنا صباحًا في المقهى نفسه. وعندما علمت فاطمة المغربية بوفاة الدكتور تأثرت بشدة.

كان حزنها صادقًا، رغم أن معرفتها بنا لم تتجاوز أيامًا قليلة.

وقد ترك ذلك الموقف في نفسي أثرًا خاصًا؛ إذ شعرت أن العلاقات الإنسانية لا تحتاج دائمًا إلى سنوات طويلة حتى يصبح الفقد مؤلمًا.

واصلنا برنامجنا التدريبي في «لايت هاوس»، مستندين إلى تعاون إدارته ومساندة بعضنا لبعض، لكن شيئًا من بهجة الأيام الأولى وحماسها كان قد توارى.

فلم يكن في وسعي أن أنسى أن الدكتور محمود جاء معنا متطلعًا إلى الاستفادة من تلك الخبرات، وأنه رحل قبل أن تتاح له فرصة المشاركة في البرنامج الإكلينيكي الذي كان ينتظره.

ومن أكثر المشاهد التي أثارت اهتمامنا خلال البرنامج متابعة فحص إكلينيكي لمريض داخل العيادة، بينما كانت تُنقل تفاصيل الفحص مباشرة بالصوت والصورة إلى قاعة التدريب عبر تقنية الفيديو.

كنا نتابع الحالة وما يجري معها، ونستمع إلى الشرح دون أن نكون جميعًا داخل غرفة الفحص.

وكان ذلك بالنسبة إلينا استخدامًا مثيرًا للتقنية في التعليم والتدريب، لم نكن معتادين على مشاهدته في بيئتنا المهنية آنذاك.

وفي أثناء مواصلة الفريق تدريبه الإكلينيكي، خضعت لتقييم بصري في عيادة ضعف البصر تابعه أعضاء الفريق كدراسة حالة ضمن برنامجهم التدريبي، واكتشفت حينها مدى تدهور حالتي البصرية مقارنة بعام 1994م، حين أجريت فحصًا بصريًا في «لايت هاوس»، إذ وصلت حدة بصري إلى مستوى يُعرف طبيًا باختبار «عدّ الأصابع» وهو ما يعني دخولي في حالة العمى الفعلي.

خلال فحص بصري في عيادة «لايت هاوس»

وفي غضون ذلك كنت على موعد مع استعادة ذكريات نشاطاتي الفنية في نيويورك، عندما تواصلت مع صديقي الأمريكي القديم «إيكن جرين»، الذي عرفته منذ عملي في الخطوط السعودية.

كان سعيدًا بلقائي بعد هذه السنوات، وتعرّف على الفريق، وأهدانا نسخة من باكورة إنتاجه الغنائي، وهو ألبوم كان قد أصدره حديثًا، وذكّرني بأيامي الموسيقية في نيويورك، حين كنت أسعى إلى أن أصبح منتجًا موسيقيًا.

وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها مدى تدهور حالتي البصرية مقارنة بآخر لقاء جمعنا عام 1996م، وهو ما لم يكن يتوقعه.

وعلى مدى الأيام التالية كان يرافقنا في جولاتنا في نيويورك وعرف الفريق بتفاصيل مدينته ونشاطاته الفنية.

تواصل برنامجنا التدريبي الذي لم يقتصر على العيادات والمحاضرات؛ فقد أتيحت لنا فرصة تجربة وسائل ومساعدات يستخدمها ضعاف البصر في حياتهم اليومية، والتعرف عمليًا على أساليب تساعدهم في القراءة والحركة وإنجاز الأعمال المنزلية.

مشاهد من التدريب العملي في «لايت هاوس» على الوسائل المساعدة ومهارات الحياة اليومية، ضمن برنامج إعداد فريق مشروع «إبصار»، أكتوبر 2003م

أما أنا، فقد صُمم لي برنامج تدريبي إضافي بحكم أنني سأكون المدير التنفيذي للمشروع، تعرفت من خلاله على كيفية تنظيم الخدمات وإدارتها، وزرت أقسام التأهيل والتدريب على الحركة والتنقل، ومهارات الحياة اليومية، والتأهيل المهني، ومرافق تعليم الأطفال ذوي الإعاقات المتعددة.

وكان من أكثر المواقف طرافة بالنسبة إليَّ درس في الطهي، تعرّفنا خلاله على طريقة لمسية لتقدير درجة نضج اللحم، تقوم على مقارنة مقاومته عند غرس الشوكة فيه بتماسك العضلة أسفل الإبهام.

فعندما يلامس الإبهام طرف السبابة تكون العضلة أكثر ليونة، بما يقارب ملمس اللحم غير الناضج، وتزداد تماسكًا عند ملامسته طرف الإصبع الوسطى، بما يقارب نصف النضج، ثم تبلغ درجة أكبر من الصلابة عند ملامسته طرف الخنصر، بما يقارب اللحم تام النضج.

ابتسمت وأنا أتابع الشرح؛ فقد أمضيت سنوات أعمل طاهيًا جويًا، ولم يخطر ببالي أن هناك وسيلة للمقارنة بين عضلة الإبهام والإحساس بنضج اللحم.

وكان درسًا مهمًا يؤكد أن هناك كثيرًا من الوسائل الطبيعية التي تمكّن فاقد البصر من إدراك الأشياء، كتمييز الفلفل من الملح بناء على ثقل الملاحة.

وخلال تلك الأيام كنا نخرج عقب البرنامج التدريبي وفي عطل نهاية الأسبوع، وكنت ألمس دهشة أعضاء الفريق من قدرتي على تمييز المحال وتذكّر مواقعها، والتنقل بين شوارع المدينة والتعرف على اتجاهاتها، مستعينًا بعصاي البيضاء وذاكرتي التي احتفظت بتفاصيل كثيرة من سنوات ترددي عليها. فكنت أصف لهم بعض الأماكن رغم أنني لم أعد أراها كما كنت أراها من قبل.

لم تكن المدينة قد بقيت على حالها تمامًا؛ فقد تغيرت معالم، وظهرت مبانٍ، واختفت أماكن عرفتها في الثمانينيات.

لكن مانهاتن ظلت بالنسبة إليَّ مدينة أعرف إيقاعها، وأحتفظ في ذاكرتي بخريطتها التي رسمتها خلال سنوات طويلة من التجوال بين شوارعها.

بعصاي البيضاء في شوارع مانهاتن مستعينًا بذاكرتي التي احتفظت بمعالم المدينة وتفاصيلها منذ سنوات عملي الجوي، حين كنت أجوب شوارعها مبصرًا.

والطريف أنني اصطحبت في إحدى عطل نهاية الأسبوع وداد عباس ولمى شونو إلى ولاية مين، لزيارة زوجتي وابنيَّ في منزل أسرتها، الواقع وسط غابات ريف بلدة تيرنل.

كان الظلام دامسًا لكثافة الأشجار، تتخلله أصوات الطيور الليلية والحشرات والحيوانات البعيدة، ونباح الكلاب الذي يتعالى من جهات مختلفة.

كانت أجواء غير مألوفة لهما، ولذلك أصرتا على عدم البقاء وقضاء الليلة في ذلك المكان، خصوصًا أن المنزل كان مزودًا بإضاءات خارجية تعمل بحساسات الحركة.

وفي تلك الأثناء حل شهر رمضان قبل انتهاء برنامجنا التدريبي بيومين، ووافق آنذاك يوم الأحد السادس والعشرين من أكتوبر.

وكانت المفاجأة لنا أن إدارة «لايت هاوس»، بادرت في لفتة إنسانية، إلى دعوتنا لمأدبة إفطار رمضانية بحضور عدد من مسؤولي المؤسسة، في المطعم الدوار بفندق «نيويورك ماريوت ماركيز»، في قلب ميدان تايمز سكوير.

ولم أكن أتصور أنني سأكون يومًا في أعلى ذلك المكان الذي شاهدت مراحل بنائه خلال رحلاتي إلى نيويورك في الثمانينيات؛

كان المطعم فاخرًا بأثاثه وطعامه، والأجمل من ذلك مناظر ناطحات السحاب أثناء دورانه.

أما أنا فكنت بين الفينة والأخرى أدور بذاكرتي إلى الأيام التي عرفت فيها نيويورك شابًا في بداية عملي الجوي، وإلى نيويورك التي عدت إليها عام 1994م أبحث عن سبيل لاستعادة قدرتي على القراءة والعمل.

وها أنا الآن ضيف على مؤسسة دولية أتعاون معها في مشروع لخدمة ضعاف البصر، وأصعد إلى مطعم دوار في أعلى الفندق الذي شاهدته يومًا وهو يرتفع من الأرض.

ومن جميل تلك الليلة أن اللايت هاوس احضروا لنا خصيصا تمرًا لعلمهم أننا نفك ريقنا بالتمر، كان مثيرًا للانتباه بليونته ومذاقه الحلو القريب من الكراميل، وعندما سألنا عنه أبلغنا بأنه من أجود منتجات تمور كاليفورنيا، ويعرف باسم مجدول وتعود أصول نخله إلى بلاد المغرب العربي التي جلب منها في العام 1927م.

لم تكن مأدبة الإفطار تلك مجرد دعوة إلى الطعام في مطعم فاخر، بل رسالة بأن المؤسسة التي استضافتنا للتدريب لم تنظر إلينا بوصفنا فريقًا جاء لتنفيذ برنامج ثم يغادر، وإنما تعاملت معنا خلال محنتنا باعتبارنا شركاء وأصدقاء، وأقامت لنا أمسية رمضانية بمأدبة لا تنسى.

وفي الثامن والعشرين من أكتوبر انتهى برنامجنا التدريبي، وعدت إلى جدة في التاسع والعشرين منه، وأنا أحمل معي ذكرى مأساة إنسانية لزميل كان من المفترض أن يعود معنا، لكن القدر سبقنا إليه، وفي الوقت نفسه خبرات وتجارب عملية، وأفكارًا لما يمكن أن أقدمه في بلادنا، ودروسًا في تحمل المسؤولية لم أكن أتوقع أن أتعلمها بهذه الطريقة.

وإلى جانب ذلك كله، كنت ارتقب موعد ليلة الرابع من نوفمبر 2003م، الموافق العاشر من رمضان 1424هـ، التي سيُعلن فيها عن تأسيس مشروع «إبصار» برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز، رحمه الله، ليكون أول جمعية خيرية عربية تجمع بين خدمات العناية بضعف البصر، وإعادة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وتأهيل المختصين في هذا المجال.

وكان ذلك يحمل دلالة خاصة في نفسي؛ إذ مثّل انتصارًا عمليًا على قرار اعتباري عاجزًا عن العمل عجزًا قطعيًا ونهائيًا، وإحالتي إلى التقاعد المبكر.

فقد أصبحت مديرًا تنفيذيًا لمشروع يحمل مسؤوليات ومهام أكبر بكثير من عملي السابق مدربًا للخدمة الجوية، الذي أُحلت منه إلى التقاعد المبكر.

غير أن التحدي الأكبر ظل ينتظرني وهو الصعود بالمشروع إلى النجاح وتحقيق أهدافه.

ولكن تلك قصة أخرى من رحلتي عبر السنين.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 1
Share