مع منتصف خريف العام 2004م، كنت على موعد مع واحدة من رحلات العمر، إلى بلد لم أكن أعرف عنه الكثير سوى ما كنت أسمعه في الأخبار، بعاصمته التي ارتبط اسمها بمفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولم أتخيل أنني سأجد نفسي في المكان ذاته الذي احتضن جانبًا من تلك المفاوضات، لتنطلق منه مرحلة جديدة من مسيرتي كخبير دولي في مجال خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل.

وتبدأ الحكاية من رسالة إلكترونية تلقيتها من مؤسسة «لايت هاوس» الدولية في نيويورك، في أبريل من ذلك العام، تخبرني بترشيحي للمشاركة في ورشة عمل دولية بعنوان «نحو الحد من التأثير العالمي لضعف البصر»، برعاية المؤسسة ضمن سلسلة ندواتها العلمية المتخصصة التي تحمل اسم سيسيليا وبول شوبف، والمقرر عقدها في النرويج خلال الفترة من 17 إلى 21 أكتوبر 2004م، بمشاركة 25 خبيرًا ومختصًا يمثلون مؤسسات ومنظمات من دول مختلفة.

حينها كنت منهمكًا في مسؤوليات تأسيس جمعية إبصار الخيرية، ومتابعة تنفيذ خططها وبرامجها، فلم أتخذ أي إجراءٍ بشأن تلك الدعوة، إلى أن وصلتني رسالة أخرى بعد أسابيع تطلب تأكيد مشاركتي، وتوضح أن تكاليف الإقامة والبرنامج مغطاة بالكامل، وأن المطلوب مني الوصول إلى مطار أوسلو الدولي، مع إمكانية بحث توفير تذكرة السفر إذا تعذر عليّ تحمل تكلفتها.

وأُرفقت بالرسالة قائمة المشاركين المرشحين، فوجدت اسمي بينهم بصفتي المدير التنفيذي لجمعية إبصار الخيرية في جدة. وضمت القائمة باحثين وأكاديميين وخبراء من أنحاء مختلفة من العالم، لم تكن أسماؤهم ومؤسساتهم مألوفة لي آنذاك.

عندها بدأت أستوعب أهمية الترشيح. شعرت بسعادة ممزوجة بالدهشة، وبحماس لخوض تجربة علمية في بلد جديد عليَّ.

غير أن قائمة المشاركين حملت أمرًا أثار تساؤلي؛ وهو اسم خبيرة إسرائيلية من تل أبيب (د. نوريت نويشتات-نوي)، متخصصة في تعليم المكفوفين ومهارات التوجه والحركة. فخشيت أن يشكل ذلك عائقًا أمام مشاركتي في هذا اللقاء الدولي.

قائمة المشاركين التي حملت اسمي

فعرضت الأمر على مجلس إدارة إبصار في اجتماعه الرابع، المنعقد يوم الاثنين 31 مايو 2004م، الذي ناقش طبيعة الورشة وأهدافها، وانتهى إلى أن المشاركة علمية ومهنية، ولا علاقة لها بالسياسة أو الحكومات، وأنها فرصة لتعريف الخبراء الدوليين بتجربة الجمعية والاستفادة من خبراتهم. فأصدر قراره رقم (13) بالموافقة على مشاركتي.

فمنحني ذلك القرار ثقة مؤسسية، وحمّلني في الوقت نفسه مسؤولية تمثيل مشروع ناشئ يسعى إلى إحداث تغيير حقيقي في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

وفي مساء السبت 16 أكتوبر 2004م، بدأتُ رحلتي من مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، متجهًا إلى أوسلو عبر مطار هيثرو في لندن، على متن الخطوط الجوية البريطانية، بمفردي، معتمدًا على عصاي البيضاء وما اكتسبته من مهارات التوجه والحركة، وخدمات المساعدة التي توفرها المطارات للمسافرين من ذوي الإعاقة.

فأبلغت شركة الطيران بحاجتي إلى المرافقة والإرشاد أثناء التنقل في صالات المطارات، كما اخترت مقعدًا مناسبًا يتيح لي التحرك منه وإليه باستقلالية، بحكم معرفتي المسبقة بمواقع دورات المياه وأبواب الطوارئ في مقصورات الطائرات.

غير أنني فوجئت عند موعد الصعود إلى الطائرة بموظف يريد اصطحابي إليها على كرسي متحرك. فأبلغته بأنني لا أحتاج إليه، وأن كل ما أريده هو المرافقة والإرشاد إلى بوابة الصعود. لكنه ظل متمسكًا بالإجراء الذي اعتاده. كان يعتقد أنه يريحني، بينما كنت أشعر بأنه يسلبني حرية الحركة والاختيار.

وازداد انزعاجي حين اكتشفت أنني سأُنقل إلى الطائرة باستخدام المركبة المخصصة للمسافرين غير القادرين على صعود السلالم، بدلًا من الذهاب في الحافلة مع بقية الركاب.

وبعد نقاش كاد يتحول إلى جدال، ركبت المركبة دون استخدام الكرسي المتحرك، ولا سيما أن الحافلات كانت قد غادرت بالركاب إلى الطائرة.

حينها تذكرت حديث أحد المكفوفين الذين التقيتهم خلال دراسة ميدانية لتحسين ظروف سفر المكفوفين على الرحلات، إبان عملي في الخطوط السعودية عندما قال إنه يفضل عدم إبلاغ موظفي الخطوط بحاجته إلى المساعدة، والاكتفاء بمن يتطوع من الركاب لمرافقته إلى الطائرة، خشية أن تُفرض عليه إجراءات تقيد حركته واستقلاليته بالإصرار على نقله بالكرسي المتحرك.

أقلعت بنا الطائرة، وبعد نحو ست ساعات وصلنا إلى مطار هيثرو. وعند مغادرتي الطائرة، كانت في استقبالي موظفة من خدمات المسافرين، رافقتني إلى منطقة انتظار رحلات الترانزيت، بينما كنت أتنقل بعصاي البيضاء دون صعوبة تُذكر.

ثم تابعت رحلتي إلى مطار أوسلو غاردرموين الدولي.

مرت إجراءات الوصول والجوازات والجمارك، ثم الانتقال إلى مكاتب سيارات الأجرة، بسهولة وهدوء، بمساعدة موظفة أرشدتني إلى ما أحتاج إليه، دون أن تجعل من إعاقتي البصرية مشكلة تستدعي إجراءات استثنائية.

استقللت سيارة أجرة إلى الفندق الذي حجزته لي مؤسسة «لايت هاوس» في وسط المدينة. وخلال الطريق، كان رذاذ مطر الخريف يرافق رحلتنا، فيما أخذ السائق يصف لي ما يحيط بالطريق من أشجار اكتست بألوان الموسم، المتدرجة من الأصفر الذهبي إلى الأحمر الناري. ولم يقتصر حديثه على الطبيعة، بل امتد إلى الحياة في أوسلو، واهتمامات سكانها وأنشطتهم، حتى إنه تحدث عن انتمائه الحزبي ومشاركته في الحياة السياسية.

وأثناء حديثه، أخذت أسترجع ذكريات أسفاري السابقة، واستقر في ذهني انطباع شخصي تكون لديّ عبر تلك التجارب: أن ما يلقاه المسافر منذ خروجه من باب الطائرة حتى مغادرته صالة المطار يعطيه مؤشرًا أوليًا عن مستوى الخدمات في المدينة التي وصل إليها، وأن رحلة سيارة الأجرة وسلوك سائقها قد يمنحانه انطباعًا مبكرًا عن طبيعة وثقافة المجتمع الذي سيحتك به.

وصلت إلى الفندق، ولم تكن طريقة استقبال الموظفة لي أقل لياقة مما لقيته في المطار. فقد شرحت لي موقع غرفتي وترتيب الممرات والأبواب وكيفية استخدام بطاقة الدخول، ثم تركت لي حرية الوصول إليها بنفسي.

كانت الغرفة بسيطة في أثاثها، لكنها غنية بما هو أهم من الفخامة؛ إذ وجدت الإرشادات والمعلومات متاحة بطريقة برايل وبأحرف كبيرة، كما كانت دورة المياه مهيأة لاستخدام الأشخاص ذوي الإعاقة، بمن فيهم مستخدمو الكراسي المتحركة.

وفي صباح اليوم التالي، الأحد 17 أكتوبر 2004م، التقيت في بهو الفندق بثلاثة من المشاركين الذين كنت سأرافقهم إلى مركز هردل، حيث تقرر أن تنعقد الورشة وأن نقيم طوال أيامها.

غادرنا الفندق بالحافلة متجهين إلى بلدة هردل في منطقة آكرشوس، شمال العاصمة أوسلو، وبعد نحو ساعة من الطريق وصلنا إلى وجهتنا، على مقربة من بحيرة هردالسيوين.

دخلنا المركز، وكان في استقبالنا الموظف المسؤول الذي رحب بنا، وسجل حضورنا، وسلّمنا مفاتيح الغرف. وعلمت أن المكان الذي سنقيم فيه هو نفسه الذي ستنعقد فيه الورشة؛ مركز متخصص في تدريب وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، يتبع الجمعية النرويجية للمكفوفين وضعاف البصر، بدأ نشاطه عام 1983م. ولم يكن مجرد مقر للإقامة والاجتماعات، بل مؤسسة متكاملة لتدريب الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية على مهارات الحياة اليومية، والتوجه والحركة، واستخدام المعينات البصرية والتقنيات المساندة. و72 غرفة للإقامة.

وفي طريقي إلى الغرفة، استوقفتني عناية المركز بتفاصيل البيئة المهيأة؛ فقد صُممت الممرات والعلامات الإرشادية وأرقام الغرف بما يساعد المكفوفين وضعاف البصر على التنقل باستقلالية، سواء باستخدام العصا البيضاء، أو بالاستفادة من التباين البصري والأحرف الكبيرة وطريقة برايل والإرشادات الأرضية.

فلا يحتاج النزيل من ذوي الإعاقة البصرية إلى مرافق يقوده في كل مرة إلى غرفته؛ فقد كانت البيئة نفسها تساعده على الوصول.

وفي تمام الساعة الثالثة بعد الظهر، كنا على موعد مع افتتاح الورشة. اجتمعنا في قاعة المحاضرات، وكان اللقاء مختلفًا عن المؤتمرات التي اعتدت حضورها؛ فلم نكن أمام قاعة واسعة تضم مئات المستمعين، بل مجموعة محدودة من الباحثين والأكاديميين والممارسين المهنيين، جاؤوا من قارات مختلفة للبحث عن إجابة لسؤال واحد: كيف يمكن الحد من الآثار التي يتركها ضعف البصر على حياة الملايين حول العالم؟

مستندين إلى تقديرات عالمية متاحة آنذاك، أشارت إلى وجود نحو 161 مليون شخص من ذوي الإعاقة البصرية حول العالم، منهم نحو 38 مليون شخص يُقدَّر أنهم يحتاجون إلى خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل.

افتُتحت الورشة بكلمة للسيد رولف رايكفام، رئيس لجنة البحث والتعليم الجامعي بالبرلمان النرويجي، ثم ألقى السيد جونار هاوزجزفن، رئيس الجمعية النرويجية للمكفوفين وضعاف البصر، كلمته. وأعقب ذلك كلمات ترحيبية من السيد جوني رود، مدير مركز هردل، والسيد كريستر إندي من جامعة لوند بالسويد وأحد منظمي الورشة، والسيد أريس أرديتي من مؤسسة «لايت هاوس» ورئيس الرابطة الدولية لأبحاث ضعف البصر وإعادة التأهيل آنذاك، والدكتور غريغوري غودريتش، عضو الرابطة والمتخصص في التأهيل البصري.

وفي صباح اليوم التالي، بدأت جلسات العمل، فتناول المنظمون خلفية الورشة وأهدافها وغاياتها والنتائج المتوقعة منها، وتحدث الدكتور غريغوري غودريتش عن قضية التمييز بين ضعف البصر والعمى.

ثم أُتيحت لكل واحد منا فرصة التعريف بنفسه والجهة التي يمثلها.

وحين جاء دوري، تحدثت عن جمعية إبصار الخيرية، وأهدافها، وما أنجزناه خلال العامين السابقين، وعن طموحنا في بناء نموذج متكامل لخدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل في المملكة العربية السعودية.

ثم توالت الجلسات التي تناولت «دور المنظمات الدولية وجهودها الحالية» و«الوضع الحالي لضعف البصر في العالم». وخلالها قدمت ورقة علمية تضمنت دراسة ديموغرافية عن الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومنطقة دلتا نهر النيل، وأهم أمراض ضعف البصر وأسبابها، وأوضاع الخدمات المتوفرة، ودور إبصار في مواجهة التحديات الناتجة عن تفاقم ضعف البصر في المنطقة.

ومع تفاعل المشاركين، بدأت أدرك أنني لم آتِ إلى أوسلو لأتعلم من الخبراء وحدهم؛ فقد كانت تجربتنا في جدة تحمل بدورها ما يستحق أن يُعرض ويُناقش.

وبمرور الوقت، تعاظم شعوري بأنني بين نخبة علمية بارزة، وأسماء لها شأن عالمي في مجالات طب العيون وعلوم الرؤية والبصريات وأبحاث ضعف البصر وإعادة التأهيل، من بينهم الدكتورة جيل كيفي، الأستاذة المشاركة في طب العيون بمركز أبحاث العيون بجامعة ملبورن الأسترالية، والبروفيسور غاري روبن، أستاذ هيلين كيلر لطب العيون في كلية لندن الجامعية، والبروفيسورة يان لوفي كيتشن، أستاذة البصريات بجامعة كوينزلاند للتكنولوجيا في أستراليا، إلى جانب متخصصين من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. ولم يكن اختلاف البلدان والتخصصات عائقًا أمام الحوار، بل كان مصدر ثرائه؛ فالباحث ينطلق من نتائج الدراسات، والطبيب من خبرته السريرية، والمتخصص في التأهيل من واقع الممارسة، بينما يضيف من عاشوا تجربة فقدان البصر بُعدًا إنسانيًا لا تستطيع الأرقام وحدها التعبير عنه.

لحظة استراحة خارج القاعة مع البروفسور تشينغ جين لين مدير مركز تعليم وتأهيل ذوي الإعاقة البصرية بجامعة تاينان الوطنية في تايوان

غير أن أكثر اللحظات الإنسانية تأثيرًا في نفسي كانت حين استوقفني اسم أحد المشاركين: الدكتور محمد سرفراز خان، الذي عرّف نفسه بأنه مدير مراكز إعادة تأهيل البصر في معهد إل. في. براساد للعيون بالهند.

أعادني اسمه اثني عشر عامًا إلى الوراء، حين زرته في عيادته بمركز تقويم ضعف البصر في الظهران، خلال مرحلة مبكرة من رحلتي مع تدهور حالتي البصرية.

انتظرت حتى جاءت الاستراحة الأولى، ثم توجهت إليه وسلمت عليه. لم يتذكرني في البداية، فذكّرته بزيارتي له في العيادة وظروفها، فأخذت تفاصيل اللقاء تعود إلى ذاكرته.

حدثته عن تجربتي منذ ذلك الحين حتى وصولي إلى هذا المؤتمر، فأخبرني أنه بعد إغلاق مركز ضعف البصر بالظهران، غادر المملكة العربية السعودية، والتحق لاحقًا ببرنامج العناية الإكلينيكية بضعف البصر مع مؤسسة «لايت هاوس»، ثم افتتح مركز ضعف البصر في معهد إل. في. براساد، الذي أصبح يتولى إدارته.

كانت لحظة يصعب وصف أثرها في نفسي.

فقد كنت قبل اثني عشر عامًا أجلس أمامه باحثًا عن إجابات تتعلق بمستقبلي مع فقدان البصر، وها أنا ألتقيه مجددًا، لا في عيادته، بل ضمن مجموعة دولية من الخبراء تبحث في مستقبل الخدمات التي يحتاج إليها الملايين ممن يواجهون ظروفًا مشابهة.

ولم يكن اليوم الثالث، الثلاثاء 19 أكتوبر، أقل ثراءً بالمعرفة والمواقف من سابقه؛ فقد بدأ بتبادل الخبرات منذ ساعات الصباح الأولى، حين وُزّعنا إلى ثلاث مجموعات عمل. الأولى للبحوث والدراسات برئاسة أريس أرديتي، والثانية لتطوير نماذج تقديم الخدمات برئاسة غريغوري غودريتش، والثالثة للدعوة إلى العمل برئاسة كريستر إندي.

وكنت ضمن مجموعة «الدعوة إلى العمل»، إلى جانب الدكتور محمد سرفراز خان، والدكتور حسن منتو، الباحث واختصاصي البصريات والمستشار الفني لشؤون ضعف البصر لدى منظمة «سايت سيفرز» الدولية في إسلام آباد بباكستان، وآخرين من المشاركين.

وتركز عمل مجموعتنا على الخروج بخطة لتشجيع الحكومات والمنظمات على تطوير خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل، وتحويل نتائج البحوث والتوصيات العلمية إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ.

وخلال المناقشات، عرضت تجربة جمعية إبصار في بناء الشراكات، موضحًا كيف أمكن الجمع بين الخبرة الطبية المحلية التي وفرتها مستشفيات مغربي، والخبرة الدولية لمؤسسة «لايت هاوس»، والدعم الذي قدمته جهات تنموية، منها البنك الإسلامي للتنمية وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية «أجفند».

وكانت الفكرة التي سعيت إلى إيصالها أن الدول النامية ليست مضطرة إلى البدء من الصفر؛ إذ يمكنها تطوير خدماتها من خلال شراكات تجمع الموارد والخبرات المتاحة، وتوجهها نحو الاحتياجات الفعلية للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

وما أسعدني أن طرحي لم يُستقبل بوصفه مجرد عرض عن جمعية ناشئة في بلد بعيد، بل أثار اهتمام أعضاء المجموعة، الذين رأوا في نموذج الشراكة ما يمكن الاستفادة منه في مجتمعات نامية أخرى.

وشعرت بأن الجهد الذي بذلناه في تأسيس إبصار بدأ يتجاوز حدوده المحلية، وأن تجربتنا أصبحت جزءًا من حوار دولي يبحث عن حلول عملية لتحسين حياة الإنسان.

صورة تذكارية لأعضاء من مجموعة العمل ويظهر فيها السيد كريستر اندي الثاني يسار الصورة وعلى يساره الدكتور محمد سارفاز خان

لم ينتهِ إثرائي المعرفي ومفاجآتي عند هذا الحد؛ فقد انطلقنا جميعًا بالحافلة إلى وسط مدينة أوسلو في رحلة علمية نظمت لنا بعد انتهاء جلسات النقاش.

مررنا خلالها بالقصر الملكي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وما علق في ذاكرتي مشهد ولي العهد آنذاك، الأمير هاكون ماغنوس، الذي تولى عرش النرويج مؤخرًا في أغسطس 2026م، وهو يلتقي بالزوار ويوقع لهم تذكارات بخط يده. وقد أصبح هذا المشهد إحدى الذكريات التي احتفظت بها من تلك الجولة.

ثم واصلنا رحلتنا إلى قسم العيون في مستشفى أولليفال الجامعي، حيث استقبلنا البروفيسور بجوسن نيكولاسن، رئيس قسم أبحاث طب العيون والبصريات، واصطحبنا مباشرة إلى قاعة المحاضرات. قدم لنا تعريفًا موجزًا بالمؤسسة وأعمالها البحثية، ثم عرض عدد من زملائه الأساتذة خلاصات دراساتهم المتعلقة بطب العيون وعلوم الرؤية والبصريات وأمراض العيون ووسائل علاجها.

وما استوقفني وعلق في ذاكرتي إلى يومنا هذا، وكنت قد نقلته في تقريري المرفوع إلى مجلس إدارة إبصار في 28 أكتوبر من ذلك العام، ما ذكره البروفيسور بجوسن نيكولاسن في ختام الزيارة عن الأنظمة والإجراءات المتبعة في النرويج للتعامل مع ضعف البصر والعمى، والخدمات التي تقدم للمكفوفين وضعاف البصر.

فقد ذكر أن الحكومة النرويجية تنفق سنويًا ما قيمته مليارا دولار لتوفير الخدمات والمعينات البصرية والأدوات المساندة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، وأنها تتعامل مع هذه المعينات وبرامج إعادة التأهيل باعتبارها من الاحتياجات الأساسية للمستفيد، شأنها في ذلك شأن الفحص الطبي وصرف الدواء للمريض.

لقد أعجبني أسلوب الزيارة وبرنامجها؛ فقد كان احترام الوقت واضحًا، وكان الهدف أن نخرج بأكبر قدر من المعرفة العلمية، لا أن ننشغل بمرافق المستشفى وأجهزتها ومعداتها.

ومن المستشفى انتقلنا إلى مركز هوسبي، المتخصص في خدمات الأطفال ذوي الإعاقة البصرية، بمن فيهم الأطفال متعددو الإعاقات، حيث كان في استقبالنا رئيس المركز، إلى جانب ممثلين من جامعة أوسلو وعيادات ضعف البصر واستشاريين في التعليم الخاص.

وتعرفنا هناك إلى أساليب فحص الأطفال في أعمار مبكرة، والبرامج التي تساعدهم على الاستفادة من قدراتهم البصرية المتبقية، واستخدام المعينات المناسبة، بالتعاون مع المختصين في التربية الخاصة والتأهيل.

وقد أكدت لي تلك الزيارة أهمية التدخل المبكر، وأن تأهيل الطفل لا ينبغي أن ينتظر حتى تتفاقم آثار الإعاقة على تعليمه ونموه واستقلاليته.

وبنهاية برنامجنا العلمي لذلك اليوم، أُبلغنا بأننا مدعوون إلى مأدبة عشاء برعاية شركتي «مولتيلينز» السويدية، المتخصصة في تطوير وتصنيع العدسات والمعينات البصرية لضعاف البصر، و«إمبروفجن» الألمانية، المعنية بالتوزيع الدولي للمعينات البصرية التابعة لشركة «شفايتزر» العريقة في صناعة المنتجات البصرية، وذلك في فندق «هولمنكولن بارك ريكا»، الواقع على مرتفعات هولمنكولن شمال غربي أوسلو.

لم أكن أتوقع ما نحن مقبلون عليه من أمسية، حتى وصلنا إلى مبنى كلاسيكي عتيق على قمة تلك المرتفعات، بدا لي من وصف مرافقيّ أنه معلم ذو طابع تاريخي، وإذا به الفندق الذي سنمضي فيه أمسيتنا.

كان في استقبالنا مدير الفندق وعدد من العاملين فيه ومنظمي الحفل. وما إن دخلنا حتى بدأت أستشعر مستوى الفخامة التي امتزج فيها التصميم العتيق بلمسات الحداثة المعاصرة، في انسجام يعكس طابعًا من الأناقة لم أعهده من قبل.

ثم اصطحبونا في جولة تعريفية داخل الفندق، تضمنت شرحًا موجزًا عن تاريخه الذي يعود أصل بنائه إلى أواخر القرن التاسع عشر، وعن المنطقة المحيطة به، التي ارتبط اسمها بتاريخ الرياضات الشتوية النرويجية، ولا سيما سباقات التزلج والقفز التزلجي.

لكن المفاجأة التي لم نكن نتوقعها كانت في الأهمية التاريخية والسياسية لهذا الفندق؛ فقد علمنا أنه المكان الذي احتضن الجولة الرابعة من المفاوضات السرية بين ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد قريع (أبو علاء) وممثلي إسرائيل، في ربيع عام 1993م، وهي المفاوضات التي مهدت لتوقيع اتفاقية أوسلو للسلام في واشنطن، في 13 سبتمبر من العام نفسه.

واصطحبونا في جولة إلى الغرف والأجنحة التي أقامت فيها الوفود وعُقدت فيها المفاوضات، ومنها جناح نانسن.

ولم تقتصر أهمية الفندق على ذلك الحدث؛ فقد علمنا أنه استضاف في ديسمبر 2001م ندوة بمناسبة مئوية جائزة نوبل للسلام، نظمتها لجنة نوبل النرويجية ومعهد نوبل، وشارك فيها عدد من الحائزين على الجائزة، إلى جانب زعماء وشخصيات دولية بارزة.

وبعد الجولة، انتقلنا إلى صالة الطعام التي أُعدت لاستقبالنا. ولم أكن بحاجة إلى حاسة البصر لأدرك مدى فخامة المكان ودفء الضيافة النرويجية؛ فالملمس والمقاعد والروائح وطريقة الاستقبال، كلها كانت تشعرك بأنك في مستوى رفيع من الأناقة والضيافة.

وبعد أن أخذت مقعدي عادت بي الذاكرة إلى مأدبة «لايت هاوس» الرمضانية قبل نحو عام، حين كنت في قمة برج فندق ماريوت ماركيز بنيويورك، في مطعمه الدوار. هناك كنت على قمة أحد مباني مانهاتن، وهنا على قمة مرتفعات هولمنكولن. وبين المكانين مسافة طويلة، لكنهما التقيا في ذاكرتي بوصفهما محطتين في رحلة واحدة، بدأت بعصاي البيضاء وحلم لم أكن أعرف إلى أي مدى سيقودني.

ولم يبدأ عشاءنا بتناول أطايب الطعام، بل بلحظات معرفية عن الأطباق التي ستقدم لنا. فقد ألقى رئيس الطهاة كلمة رحب فيها بالحضور، وقدم خلالها معلومات عن بعض تقاليد المطبخ النرويجي الفاخر، ولا سيما أطباق الطرائد البرية التي يرتبط تقديمها بموسم الخريف.

ثم بدأت الأطباق الشهية تتوالى، مع خيارات من المطبخ النرويجي، منها شرائح مشوية من لحم الموظ، المعروف بالإنجليزية باسم «موس»، قدمت مع البطاطس وصلصة الفطر البري بالكريمة، ولحم الرنة المطهو بالكريمة والفطر، المقدم مع البطاطس ومربى التوت البري، إلى جانب أطباق السلمون النرويجي والمأكولات البحرية. واختُتم العشاء بأصناف من التحلية النرويجية التي تعتمد على الكريمة والتوت.

على المائدة الفاخرة، وإلى جانبي اختصاصي ضعف البصر باربي أوجوكونيمو، مستشار برنامج ضعف البصر بمستشفى إكوا للعيون في مدينة كانو بنيجيريا

لكن قيمة تلك الأمسية لم تكن في أصناف الطعام والضيافة، على ما فيها من تميز، بل في تجربة أوسلو الإنسانية، والأحاديث التي دارت حول المائدة، وجمعتنا بزملاء لم نكن نعرفهم قبل أيام، ثم وجدنا أنفسنا نتبادل الخبرات والتجارب وكأننا نعمل معًا منذ سنوات.

وفي صباح اليوم التالي، الأربعاء 20 أكتوبر، عدنا إلى قاعات العمل لمناقشة ما توصلت إليه المجموعات الثلاث، ومراجعة الأوراق والتوصيات التي أعدها ممثلوها، بهدف الوصول إلى توجهات مشتركة تحدد الأولويات العالمية في خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل.

انطلقت المناقشات من حقيقة مهمة، هي أن الجهود الدولية كانت تركز بدرجة كبيرة على الوقاية من العمى وعلاج أمراض العيون، بينما لم تحظ خدمات ضعف البصر الذي لا يمكن تصحيحه بالعلاج بالاهتمام نفسه، رغم أن ملايين الأشخاص يستطيعون الاستفادة من التدريب والمعينات البصرية والتقنيات المساندة ليعيشوا حياة أفضل.

ومن المثير للتأمل أن هذه القضية لا تزال قائمة في كثير من المجتمعات حتى يومنا هذا.

وتضمنت التوجهات التي ناقشناها دمج خدمات ضعف البصر في الأنظمة الصحية والتعليمية والتأهيلية، وتطوير البحوث المتعلقة بفاعلية الخدمات، وتدريب المختصين، وتوسيع برامج التوعية، وتشجيع الحكومات والمنظمات على تخصيص الموارد اللازمة.

كما أكدنا ضرورة منح خدمات ضعف البصر مكانة واضحة إلى جانب برامج الوقاية من العمى، والتعامل مع احتياجات الأشخاص وفق قدراتهم البصرية الفعلية، بدلًا من افتراض أن جميع ذوي الإعاقة البصرية يحتاجون إلى الخدمات نفسها.

وكان اليوم التالي، الخميس 21 أكتوبر، موعدًا لاستعراض نتائج مجموعات العمل ومناقشتها، والاتفاق على مواصلة التعاون تحت مظلة «مجموعة أوسلو»، بوصفها تجمعًا دوليًا للخبراء والمختصين المعنيين بخدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل.

على أن يسهم كل عضو في نشر رسالة المجموعة في منطقته، والتواصل مع المؤسسات المهنية والبحثية والجهات المعنية، وتشجيع المبادرات الرامية إلى تطوير الخدمات.

كما تقرر إعداد تقرير شامل عن أعمال الورشة ومراجعته من المشاركين، تمهيدًا للتعريف بنتائجه خلال مؤتمر البصر الدولي «Vision 2005»، المقرر عقده في لندن خلال أبريل 2005م.

وقبل الاختتام الفعلي للورشة، كنا على موعد للتعرف إلى تجربة النرويج عن قرب في تدريب وتأهيل المكفوفين وضعاف البصر، من خلال جولة داخل مرافق مركز هردل نفسه.

تعرفنا إلى أقسام التدريب على التقنيات المساندة، ومهارات الحياة اليومية، والتوجه والحركة، والأنشطة الحرفية والفنية، وإلى التدريب العملي في مطبخ تعليم مهارات إعداد الطعام، وتنمية المهارات الحياتية في بيئة إقامة تراعي احتياجات المستفيدين.

ولفت انتباهي نظام تسليم المعينات والأجهزة؛ فلم يكن الهدف مجرد تسليم جهاز إلى شخص كفيف أو ضعيف بصر، بل تقييم مدى ملاءمته لاحتياجاته وقدراته، وتدريبه على استخدامه، ومتابعة ما يمكن أن يحققه له من استقلالية في حياته اليومية أو عمله.

تجربة استخدام المكبر الإلكتروني بالحاسب في قسم تدريب التقنيات المساندة

لقد رسخت لي هذه الجولة الميدانية قناعتي بمدى اتساع الفجوة بين ما وصلت إليه بعض الدول المتقدمة في هذا المجال، وما كان متاحًا في كثير من دول منطقتنا.

وأصبحت أكثر إيمانًا بإمكانية تضييق تلك الفجوة، إذا استطعنا بناء الشراكات المناسبة، وتدريب الكوادر، والاستفادة من الخبرات الدولية، وإقناع المؤسسات الحكومية والأهلية بأن التأهيل ليس عبئًا ماليًا، بل استثمار في الإنسان وقدرته على المشاركة والإنتاج، وأن مشروع إبصار يمكنه أن يتجاوز حدوده المحلية، ويصبح جزءًا من حركة دولية تسعى إلى تحسين حياة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

وبعد نحو ستة أشهر من ذلك اللقاء، صدر التقرير الرسمي للورشة، ووُزع خلال المؤتمر الدولي الثامن لضعف البصر وإعادة التأهيل (Vision 2005)، الذي عُقد في لندن في أبريل 2005م، متضمنًا خلاصة المناقشات والتوصيات التي توصلنا إليها في أوسلو.

صورة جماعية مع مجموعة أوسلو

وبعد عام من ذلك اللقاء صدر تقريرًا رسميا عن الورشة وزع في المؤتمر الدولي الثامن لضعف البصر وإعادة التأهيل (Vision 2005) بلندن في أبريل 2005

غادرت أوسلو عائدًا إلى جدة، وأنا أحمل في جعبتي تصورًا أوسع عن مستقبل خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل، وشبكة من العلاقات المهنية التي لم تكن متاحة لي قبل تلك الرحلة.

وفور عودتي، أتممت إجراءات انضمامي إلى عضوية الرابطة الدولية لأبحاث ضعف البصر وإعادة التأهيل، لتصبح تلك انطلاقتي إلى العمل ضمن شبكة الخبراء الدوليين في هذا المجال.

وكانت من أولى الخطوات العملية توجيه دعوة رسمية من جمعية إبصار إلى السيد كريستر إندي والدكتور محمد سرفراز خان لزيارة الجمعية، والمشاركة ضمن فريقها العلمي بتقديم أوراق عمل في مؤتمر طب العيون السعودي عام 2005م، لتكون تلك باكورة مشاركات إبصار في البرامج العلمية لمؤتمرات طب العيون.

ولم يكن ذلك كل ما أثمرته الرحلة؛ بل إن تجدد لقائي بالدكتور خان أسهم لاحقًا في عودته إلى السعودية وتوليه قيادة خدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل في إبصار، وفي توسيع تجربتها من الإطار المحلي إلى آفاق دولية خلال سنوات وجيزة.

واليوم، بعد اثنين وعشرين عامًا، أستحضر تلك الرحلة من ذاكرتي، لا من باب البكاء على الأطلال، بل لأنني ما زلت أؤمن بأن القضايا التي ناقشناها والتوصيات التي خرجنا بها في أوسلو لم تفقد أهميتها؛ فحق الإنسان في التأهيل، والوصول إلى المعينات المناسبة، والعيش باستقلالية، والمشاركة في مجتمعه، لا يزال يتطلب عملًا يتجاوز حدود المؤسسات والبلدان؛ إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية، في بيانات نشرتها بتاريخ 29 سبتمبر 2026م، أن نحو 60 مليون شخص بالغ حول العالم يحتاجون إلى خدمات التأهيل البصري للحفاظ على استقلاليتهم وقدرتهم على المشاركة في العمل، وأن غالبيتهم لا يحصلون على هذه الخدمات، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

ولعل ما منح تلك الرحلة مكانتها الخاصة في حياتي أنها لم تكن مجرد مشاركة في ورشة دولية، بل كانت بداية مرحلة جديدة من رحلتي عبر السنين؛ مرحلة انتقلت فيها من البحث عن إجابات لتجربتي الشخصية مع فقدان البصر، إلى المشاركة في البحث عن إجابات تخدم الآخرين. وتهيأت لأولى مشاركاتي في مؤتمرات البصر الدولية.

 لكن تلك حكاية أخرى من رحلتي عبر السنين.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 2
Share