عندما بدأت تدوين «رحلتي عبر السنين»، لم أكن أجمع تفاصيل حكايتي وحدها، بل كنت أجمع كل ما أستطيع الوصول إليه من تاريخ مدينتي جدة التي ولدت ونشأت فيها، وأحاول أن أستعيد أحداثها التي عاصرتها، ومعالمها وأماكنها. ومن بينها «دوار الهندسة»، ذلك المعلم الذي كان من أواخر ما شاهدته عيناي قبل فقداني للبصر، ولا يزال حاضرًا في ذاكرتي. ولم يخطر ببالي يومًا أنني، بعد كل هذه السنوات، سأصل إلى حكايته من داخل الأسرة التي كانت وراء إنشائه، بمحض الصدفة البحتة.

وذلك حينما دُعيت للمشاركة في ورشة عمل أقيمت مساء الرابع عشر من يوليو 2026م في فندق أصيلة بجدة، بعنوان «جسر يربط بين مجتمع المكفوفين والمجتمع الأوسع»، لتجربة تطبيق برمجي سعودي يهدف إلى تمكين المكفوفين وضعاف البصر من الاستقلال الذاتي في التوجه والحركة.

وعلى هامش الورشة تعرفت على مشرفة البرنامج الأستاذة ديمة حمزة، التي تواصلت معي بعد قراءتها لمنشوري «قراءة نقدية تكشف الوجه الآخر لـ”رحلتي عبر السنين”»، ومشاهدة فيلم «رحلتي في الظلام الأبيض»، للتعرف على المزيد من تجربتي مع فقدان البصر، والحصول لاحقًا على رأيي في التطبيق والورشة بحكم مشاركتي فيها.

وامتد بيننا الحديث، فالتقطت منها معلومة أيقظت في داخلي ذاكرة عمرها أكثر من أربعة عقود، حين علمت أنها حفيدة الشيخ سعيد إبراهيم بقسماطي، مؤسس «محلات المكتبة».

فتوقفت عند هذه المعلومة لما ارتبطت به «المكتبة» في ذاكرتي إبان عملي مدرب خدمة جوية في الخطوط السعودية، وترددي المستمر عليها لاقتناء مستلزماتي التدريبية الفنية والوسائل البصرية المتخصصة التي لم تكن متوفرة آنذاك إلا في محلات «المكتبة» وفروعها. فهي لم تكن بالنسبة إليَّ مجرد محل للقرطاسية أمر به في طريقي لشراء قلم أو دفتر، بل كانت اسمًا وتاريخًا في السبعينيات والثمانينيات وما بعدها يعرفه أهالي جدة.

وطلبت منها معلومات عن هذه المكتبة التي اختفت عنا بعد أن تركت أثرًا يذكرنا بها دائمًا، وهو «دوار الهندسة»، ذلك المعلم الذي كنا نعلم أن «محلات المكتبة» كانت وراء إنشائه.

ولا بد أن للمكتبة والدوار قصة تستحق أن تُروى، خصوصًا للجيل الذي لم يعايشها؛ فهي جزء من ذاكرة مدينة عاشها جيلنا.

فرحبت باهتمامي وأحالتني إلى خالها المهندس إبراهيم سعيد بقسماطي، الابن الأكبر للمؤسس، والحاصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة عام 1983م، والذي عمل في «محلات المكتبة» بين عامي 1984 و2000م، وكان أحد المشاركين في صناعة دوار الهندسة نفسه، قائلة إنه أفضل من سيزودني بكل ما أحتاجه عن المكتبة والدوار.

وبدوره أفادني أن والده الشيخ سعيد إبراهيم بقسماطي، رحمه الله، أسس «محلات المكتبة» عام 1958م، وكان أول فرع لها في مبنى البنك الأهلي، الذي أصبح فيما بعد «مركز المحمل»، على طريق الملك عبد العزيز، باتجاه شارع قابل، أحد أشهر شوارع جدة القديمة. وكانت في البداية محلًا متخصصًا في القرطاسية والأدوات المدرسية والمكتبية، وجعل من الصدق والالتزام وإتقان العمل وكسب ثقة العميل قيمًا أساسية لمشروعه. ومع التغير الذي شهدته جدة، والنمو الاقتصادي والعمراني للمملكة، تغيرت احتياجات الشركات، والمؤسسات، والمدارس، والجامعات.

مؤسس محلات المكتبة الشيخ سعيد إبراهيم بقسماطي -رحمه الله

يقول المهندس إبراهيم: «من هنا تطورت الفكرة. فبدلًا من أن يبقى المكان متجرًا تقليديًا للقرطاسية، اتجهت “المكتبة” إلى جمع خطوط متخصصة تحت سقف واحد، في مساحات تشبه المتاجر الكبرى: لوازم الفنانين التشكيليين، والمفروشات المكتبية، والهدايا الراقية لرجال الأعمال، والألعاب التعليمية، والقرطاسية المدرسية، والمعدات والأجهزة المكتبية، تلبية لاحتياجات السوق المحلي. ثم توسعت لاحقًا إلى المدن الرئيسية، وفي أواخر الثمانينيات إلى المدن الثانوية بالمملكة، حتى وصلت مع بداية التسعينيات إلى 28 فرعًا موزعة في أنحاء المملكة.

الفرع الرئيس لمحلات المكتبة الواقع على شارع المكرونة

وأصبحت حينذاك تخدم شركات كبرى وجامعات ومدارس وجهات حكومية، وكانت لديها أقسام للمبيعات الخارجية والتوصيل والمناقصات، كما اهتمت بتدريب بعض موظفيها وفنييها لدى شركات يابانية على استخدام وصيانة أجهزة ومعدات كانت تمثل في وقتها أحدث ما وصل إلى المكاتب».

ويضيف المهندس إبراهيم أنه لا يزال يتذكر موقفًا يعتز به؛ حين كان يعمل بائعًا في قسم للقرطاسية الراقية بفرع طريق المدينة، ففوجئ بزيارة الأمير عبد الله بن فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، بعدما حدثه أبناؤه عن المنتجات والحقائب المدرسية التي اشتروها من المكتبة، فأراد أن يزوره بنفسه.

أحد كتالوجات المكتبة يعود إلى عام 1999م

أما الجانب الآخر من اهتمامي بحكاية «محلات المكتبة»، فهو خلفية ارتباطها بـ«دوار الهندسة» الواقع على تقاطع شارع صاري والمكرونة، الذي كان يقع عليه أحدث وأكبر فروع المكتبة.

فقد كانت جدة في تلك الفترة تعيش واحدة من أكثر مراحلها العمرانية والفنية خصوصية، تحت إشراف أمينها آنذاك الدكتور المهندس محمد سعيد فارسي، رحمه الله، مع انتشار المجسمات الفنية في ميادينها وطرقاتها، بمشاركة فنانين ومصممين سعوديين وعالميين، حتى أصبحت تلك الأعمال جزءًا من هوية المدينة، ورسخت صورتها بوصفها متحفًا مفتوحًا للفن.

وذلك ما ولّد فكرة «دوار الهندسة»، وفق إفادة المهندس إبراهيم الذي روى: «جاءت الفكرة بعد موافقة أمين جدة على اقتراح الفنان التشكيلي هشام بنجابي والمهندس علي أمين. وعلى ما أذكر، استدعاني والدي إلى فرع طريق المدينة، وأراني فرجارًا صغيرًا من إنتاج شركة “روترينغ” الألمانية، وهو الشكل الذي ارتبط أيضًا بشعار المؤسسة، وقال لي إنه يريد أن يحمل المجسم اسم المكتبة، وأن يكون مطابقًا للفرجار مئة بالمائة بأدق تفاصيله، وأن يُنشأ على تقاطع دوار صاري مع المكرونة مع منقلة ومثلث ضخمين. وذكر أن العمل يستدعي التخصص الهندسي وتأمين الفريق المناسب، وأناط بي مهمة التنسيق لإنجاز المشروع على أكمل وجه، على أن يشرف على التنفيذ المهندس المعماري الألماني “وولف غانغ زوبيه”، الذي كان صديقًا للعائلة، وكان أيضًا قد صمم وأشرف على عدد من مشاريع المجسمات الجمالية في جدة آنذاك، وأن يتولى التصميم الإنشائي زميله المهندس توماس».

وفي أثناء استماعي لروايته استوقفتني تلك العلاقة بين الشيخ سعيد وابنه المهندس: فرجار صغير يمكن حمله باليد، موضوع أمام مهندس شاب تخرج قبل فترة قصيرة، وأب يقول له، بمعنى ما: نريد هذا… ولكن بحجم يراه أهل جدة من بعيد!

رأيت في ذلك مشهدًا يدعو للإعجاب. كما أن الأمر لم يعد مجرد إعلان ضخم لـ«المكتبة»، وإنما مشروعًا هندسيًا للمدينة قائمًا بذاته.

وذكر المهندس إبراهيم: «كان الارتفاع المقترح للمجسم في البداية نحو خمسة وعشرين مترًا، لكنني حملت جهاز القياس المساحي “الثيودوليت”، وقست ارتفاع دوار الفلك الذي يقع على امتداد شارع صاري ويعد مجاورًا لدوار الهندسة، فوجدت أن ارتفاعه نحو ثلاثين مترًا. وهنا قفزت إلى ذهني فكرة أكبر، وهي زيادة ارتفاع دوار الهندسة إلى 33 مترًا والعمل على تسجيله في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

وطلب مني والدي، رحمه الله، أن أضع على المجسم الآية الكريمة: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.

وكنت متحمسًا جدًا لفكرة إنجاز المشروع لما فيه من إبداع ورسالة تسلط الضوء على أهمية الهندسة وتحفز على طلب العلم، وكونه سيصبح إضافة مميزة لمعالم مدينة جدة الجميلة».

وهنا، في رأيي، تجاوز المجسم حدود الإعلان التجاري. فالفرجار والمثلث والمنقلة أدوات للقياس والهندسة، والآية تمنحها معنى يتجاوز الحديد والخرسانة إلى طلب العلم نفسه.

وعن آلية التنفيذ يذكر المهندس إبراهيم: «بعد موافقة جميع المعنيين بالأمر، تم اعتماد أن يكون التصميم على هياكل من الحديد المجلفن مكسوة بألواح معدنية بسماكة مناسبة، وأذكر أنها لم تكن متوافرة لدى الموردين المحليين آنذاك، فاستوردناها من إيطاليا.

وقبل ذلك، ولزيادة الاطمئنان، قمت من طرفي بعرض التصميم الإنشائي على مهندسين إنشائيين لإبداء الرأي، منهم المهندس عمران سلهب، رحمه الله. وكذلك تم إسناد التنفيذ إلى الأخوين البارعين ممدوح كانون، رحمه الله، وأخيه عبد الرحمن كانون، لما لديهما من خبرة كبيرة وتخصص في أعمال الحديد والأبراج، وكانا يترأسان فريق الفنيين في محلات المكتبة في تلك الحقبة، وساعدهما في التنفيذ عدد من الفنيين والمهرة بهذا النوع من الأعمال من عمالة فريق المكتبة.

وبعد ما يقرب من عام من العمل المتواصل، تم رفع مكونات المجسم بالاستعانة برافعات شركة هوتا هوجرفيلد (Huta-Hegerfeld AG) الألمانية، وكان الوزن الإجمالي 66 طنًا. وبعد استكمال أعمال الرفع وتثبيت القواعد المعدنية مع القاعدة الخرسانية، تم ملء الأجزاء السفلية من المنقلة والمثلث وساقي الفرجار بمادة الخرسانة لزيادة قوة الترابط بين كافة عناصر المجسم والقاعدة الخرسانية. وأخيرًا قمنا بتكسية القاعدة الخرسانية المخروطية برخام المارفيل مع أحزمة من الرخام الأسود بشكل حزام دائري يتوسطه اسم المكتبة.

ولرغبتي في استكمال فكرة إدخال الميدان في موسوعة غينيس، قمت بتوثيق ذلك بمئات الصور وأفلام الفيديو التي التقطتها، وتواصلت مع إدارة كتاب غينيس للأرقام القياسية العالمية بأميركا».

وبالفعل، أُدرج المجسم في الصفحة 159 من طبعة عام 1989م من «Guinness Book of World Records»، تحت عنوان «Monument to Engineering»؛ أي «نُصب للهندسة». ووصفته الموسوعة بأنه مجموعة أدوات هندسية عملاقة تزن 66 طنًا، أُقيمت في جدة لتكون تذكيرًا بأهمية الهندسة والتخطيط في مسيرة التنمية، وسجلت ارتفاع قمة الفرجار بـ122 قدمًا وبوصتين ونصف البوصة عن سطح الأرض، أي ما يقارب 37.25 مترًا.

تسجيل دوار الهندسة في موسوعة غينيس للأرقام القياسية عام 1989م

وهنا تلفتني مفارقة توثيقية بين ذاكرة المهندس إبراهيم، الذي يذكر أن الفكرة اتجهت إلى رفع الارتفاع المستهدف إلى 33 مترًا، وبين القياس المنشور في موسوعة غينيس، الذي سجل ارتفاع قمة الفرجار بما يقارب 37.25 مترًا؛ وهي من التفاصيل التي لا تنتقص من الرواية، بل تضيف إليها وثيقة معاصرة للمشروع.

وقد شهد الافتتاح الرسمي، وفق رواية المهندس إبراهيم، حضور صاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن عبد العزيز، متزامنًا مع مهرجان عيد الطفل الذي أقيم في الساحة المجاورة للدوار.

ويضيف إبراهيم أن من أجمل الذكريات التي لا يزال يختزنها في ذاكرته ذلك الإعلان التجاري للمكتبة، حينما استعان والده، رحمه الله، في مطلع التسعينيات بالمخرج والإعلاني المصري طارق نور لإنتاج إعلان تلفزيوني، ظهر فيه إبراهيم كأنه يقود سيارته بجوار دوار الهندسة، قبل أن ينطلق الفرجار في الإعلان كأنه صاروخ «أبولو» متجهًا إلى الفضاء! ويتأسف لعدم امتلاكه أي نسخة من ذلك الإعلان.

المهندس إبراهيم سعيد بقسماطي حاملًا لوحة تذكارية لدوار الهندسة

لقد مضت السنوات، وكبرت جدة، وتغيرت طرقها، واختفت دوارات وانتقلت مجسمات، وتغيرت أسماء متاجر كانت يومًا جزءًا من تفاصيل حياتنا. لكن بعض الأماكن ترفض أن تغادر ذاكرة المدينة.

ولم تكن «المكتبة» في ذاكرتي أنا وحدي رفوفًا وأقلامًا وأوراقًا.

وربما هنا تكمن إحدى رسائل هذه الحكاية.

فما نظنه اليوم تفصيلًا عاديًا من حياتنا قد يصبح بعد أربعين عامًا وثيقة نبحث عنها ولا نجدها.

صورة متجر، أو كتالوج قديم، أو إعلان تلفزيوني، أو حتى فاتورة؛ أشياء قد تبدو بلا قيمة في وقتها، لكنها بعد رحيل أصحابها وتغير المدن تصبح قطعًا صغيرة في ذاكرة مجتمع كامل.

ولهذا لم أكتب هذه الحكاية لأقول إن متجرًا افتتح عام 1958م ووصل يومًا إلى ثمانية وعشرين فرعًا، ولا لأروي فقط كيف أصبح فرجار صغير مجسمًا عملاقًا.

كتبتها لأن «المكتبة» ودوار الهندسة يمثلان بالنسبة إليَّ شيئًا أكبر.

إنهما من ذاكرة جدة التي عرفناها؛ مدينة كان القطاع الخاص فيها لا يكتفي بأن يفتح متجرًا ويبيع سلعة، بل كان يستطيع أن يترك أثرًا في المكان نفسه.

وربما لهذا بقي اسم «دوار الهندسة» حيًا حتى اليوم في لغة أهل جدة وفي عناوين المواقع المحيطة به، بل إن وثائق رسمية حديثة لأمانة محافظة جدة ما زالت تستخدم الاسم عند الإشارة إلى التقاطع.

أما الشيخ سعيد إبراهيم بقسماطي، فقد رحل، لكن ابنه إبراهيم اختصر لي شيئًا من فلسفته في كلمات كان يرددها: الصدق والالتزام، والتخصص، وإتقان العمل، والسماحة في البيع والشراء، والمثابرة وعدم الاستسلام.

ومن بين عباراته الشعبية التي بقيت في ذاكرة ابنه: «لحيح غلب مطيط». أي أن من يُلح في مسعاه ويثابر يستطيع الوصول إلى ما يريد.

وأنا أعود اليوم إلى تلك الحكاية، أجد أمامي مفارقة لم أخطط لها.

ذهبت في يوليو 2026م إلى ورشة تتحدث عن تطبيق حديث يساعد المكفوف على أن يعرف طريقه بصورة أكثر استقلالًا…

فإذا بذلك الطريق يعيدني، على نحو لم أتوقعه، إلى واحد من أواخر معالم جدة التي عرفتها بعيني.

وهكذا وجدت في قصة «المكتبة» ودوار الهندسة شيئًا كنت أبحث عنه منذ بدأت تدوين «رحلتي عبر السنين»؛ فذاكرة الإنسان لا تكتمل بحكايته وحدها، وإنما بالأماكن والأشخاص والمعالم التي صنعت زمنه. وما أدوّنه اليوم ليس استعادة لما عشناه نحن فحسب، بل محاولة لحفظ شيء من ذاكرة جدة لجيلنا، ولأجيال لم تعش ذلك الزمن.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 109
Share