في مساء يوم الخميس 20 نوفمبر 2025م، كنت على موعد مع رسالة واتساب سيكون لأشعار الأديب طاهر عبد الرحمن زمخشري شأن قيم معها حيث وصلتني رسالة من الأمين العام لمركز عبد الله بن إدريس الثقافي «الدكتور زياد الدريس»، تضمنت صورة مأخوذة من الشبكة العنكبوتية لقصيدة «وداع» للأديب طاهر زمخشري، المنشورة في ديوان «ألحان مُغترب» (1963م/1383هـ)، وأردفها بسؤالين (هل المقصودة بهذه القصيدة الرقيقة والدتكم؟) (ما قصة هذه القصيدة؟ ومتى كانت رحمها الله هناك؟).
فتعجبت من سؤاله عن هذه القصيدة التي مر عليها أكثر من 6 عقود وكادت أن تندثر إذ أنها ليست من النصوص المتداولة ولا يعرفها إلا المتعمقين في أشعار الأديب -رحمه الله- وأغراضها المختلفة، وأجبتُه بالتأكيد إن القصيدة نظمت في والدتي -رحمها الله- السيدة «سميرة طاهر زمخشري» المتوفية في العام 2017م، وإني كنت قد تناولت القصيدة ومناسبتها في الجزء الأول من سلسلة كتابي «رحلتي عبر السنين»، وأن الأديب -رحمه الله- قد نظمها عقب زيارتنا له في القاهرة في العام 1963م، بعد وداعه لنا ونحن في طريقنا إلى سانت لويس لابتعاث والدي -رحمه الله- فكانت لحظة وداع مؤثرة، عبّر عنها -رحمه الله- بقصيدته «وداع» ومهرها بقوله: «إلى ابنتي سميرة المغتربة “بسانت لويس بأمريكا”».
ثم سألته عن سبب سؤاله عن القصيدة ومناسبتها، فأخبرني بأن شركة طيران ناس وقعت مذكرة تفاهم مع مركز عبد الله بن إدريس الثقافي، للتعاون في مجال الثقافة، وأطلقت مبادرة بعنوان «رحلة أدب» يتولى بموجبها المركز ترشيح محتوى أدبي للأدباء السعوديين على أن يتولى طيران ناس إعادة إنتاجه والترويج له عبر منصاتهم الرقمية بهدف تعزيز المحتوى الثقافي السعودي ضمن برامجهم للمسؤولية الاجتماعية التي تتبنّى مبادرات ذات أثر مستدام على المجتمع، وخلال مراجعته لدواوين الشعراء السعوديين في مكتبة والده «الأديب الراحل عبد الله بن إدريس» -رحمه الله- وقعت بين يديه القصيدة، فوجد فيها مادة أدبية بليغة تستحق أن تكون ضمن باكورة النصوص المرشحة للمبادرة.
فابتهجت بهذا الخبر ورأيت فيه خطوة مهمة تتوافق مع ما أقوم به لإحياء تراث الأديب وإعادة نشر أشعاره والحفاظ على إرثه الأدبي كما أوصى -رحمه الله- كما أنها ستبرز جانب من أغراضه الشعرية لم تأخذ حقها الكافي من الدراسات وهي قصائده في السفر والطائرات إذ أن له عدد من القصائد موزعة بين دواوينه تنوعت ما بين وصف الطائرة والتأمل فيها كما في قوله:
في جوف طيرٍ بلا ساقٍ ولا قدمٍ *** لكنه في مدار النجم سَّيار
يعلو فتسبحُ في الأَجواء خُطْوتُه *** ودونها تَنْطوِي في الأَرضِ أمْصار
له جناحان من برْدٍ ولا هِبة *** وصوتُهُ نَاغمٌ الرًّجْعُ هدَّار
إلى غزله العفيف في مضيفتها في قوله:
قالو «فلَبَيْنِيَّةٌ» للشرقِ نسبتُهَا *** وليس بِدْعًا فكم في الشَّرق أقمار
مخارج الحروف فيها لكنة عجب *** في حلو منطقها نور ونوار
بل أن له أول وأشهر نص غنائي في الستينيات استخدم فيه مفرد (بوينج) الذي تغنت به الفنانة الراحلة هناء الصافي شقيقة الفنان وديع الصافي بالحان الموسيقار غازي علي.
من شوقي لك يا زين بأطير من الفرحة
أسرع من البوينج يا لابس الطرحة
وكان المدير العام للاتصال المؤسسي والمتحدث الرسمي لطيران ناس، الأستاذ وليد الأحمد، قد صرح لصحيفة «عاجل» في 19 نوفمبر 2025م عن المبادرة بقوله: «إن المبادرة تركز على نشر وتسويق مختارات من الأدب السعودي سواء المرتبطة بالسفر والترحال في مجال الشعر أو النثر أو القصة أو المقال أو غيرها من موضوعات الشعر والأدب، بما يعزز الوعي والانتشار لإبداع الأدباء السعوديين عبر المنصات الرقمية، مشيراً إلى أن المبادرة ستعيد تصميم إبداع الأدباء والشعراء السعوديين بما يتوائم مع ذائقة الجمهور على المنصات الرقمية الحديثة، وذلك بالشراكة مع مركز ثقافي متخصص وموثوق، ويحمل اسم أحد رواد الثقافة والأدب في السعودية، وهو مركز عبدالله بن إدريس الثقافي».
وعن ذلك أعرب الدكتور زياد لذات الصحيفة عن اعتزاز المركز بالشراكة مع طيران ناس، وقال: «تؤكد هذه المذكرة على أمرين اثنين، الأول: الاهتمام المستدام من طيران ناس بخدمة الثقافة والتراث السعودي بوصفه جزءاً من مسؤوليته الاجتماعية، والثاني: اتساق هذه المبادرة مع القناعة الراسخة لدى المركز بأهمية بناء الصلة بين الأجيال الراحلة والقادمة..». وتمنى الدريس أن ينجح طيران ناس ومركز بن إدريس في “الإقلاع” بمحبي الأدب نحو سماوات رفيعة من الإبداع والخير والجمال.
ويجدر بالذكر أن مبادرة «رحلة أدب» قد انطلقت بإنتاج فيديو لأبيات من قصيدة «درب من العشق» للأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي -رحمه الله- التي كتبها بمناسبة افتتاح جسر الملك فهد بين السعودية والبحرين قبل أربعة عقود (1407-1986م) واصفًا فيها مشاعر الحب والوئام والترابط بين السعودية والخليج. ونشر الفيديو على حسابات طيران ناس الرقمية في 25 نوفمبر 2025م على أن يتلاحق إنتاج المزيد من الأعمال الأدبية المتنوعة للأدباء والشعراء السعوديين بما فيهم شاعرنا طاهر زمخشري.
وبرأيي إن هذه المبادرة تمثل لفتة تستحق التقدير، إذ تعكس وعيًا ثقافيًا متصاعدًا يربط بين مؤسسة للطيران ومؤسسة ثقافية مستقلة، في تعاون يفتح للأدب السعودي مساحة جديدة للتحليق في الآفاق، ويحفظ له حضوره في فضاءات غير تقليدية.
ولعلي في قادم الأيام أزود المركز بمزيد من قصائد الأديب طاهر زمخشري المرتبطة بعالم السفر والطيران لترشيحها لطيران ناس ضمن المبادرة وأختم دردشتي هذه بقصيدة «وداع» التي ستكون باكورة أعمال الزمخشري في المبادرة
أودع من بألحاظي رواها *** ويحمل رجع ألحاني هواها
وما زالت بقيد العين مني *** ويلذعني التوجع من نواها
وأشعر بالحرائق في ضلوعي *** من الأشواق يعصف بي لظاها
ولم ترحل ويسبقني حنين *** إليها كيف لو حجبت سناها
وباسمي كلما همست ونادت *** علي أجبت من فرحي نداها
وأسمع صوتها لحناً حبيباً *** يدغدغ بالفتون رؤى صباها
وفي أحضانها رقصت غراس *** هي الآمال صافحني جناها
وقد رويت زكي دمعي فعادت *** فروعاً ملء إحساسي شذاها
فإن كان الفراق لنا قضاء *** فحسبي أنني أحيا فداها
وما فارقتها إلا لعلمي *** بأن ستنال في الدنيا مناها
الرابط المختصر لهذا المقال:

شكرا
لكم
ويشرفنى اضافتى الى قائمة نشراتكم المميزة
لفتة جميلة من طيران ناس أعتقد أنها سوف تساهم في إعادة إحياء قصائد مميزة لم تنل الشهرة الكافية التي حصلت عليها قصائد أخرى شهيرة محفوظة في ذاكرة محبي الشعر والأدب. فما زالت كتب الشعر تخفي في صفحاتها درر من الشعر البليغ
جميل العمل هو الربط و الترابط بين الثقافة و الأدب و المجتمع فيما يعزز الهويّة و الأصالة.
و مبادرة رائعة للجمهور العربي السعودي و غيرهم أن يحظى أدبه و ثقافته باحتفاءات و إشراقات هو لها ،، نعم فالأدب العربي السعودي زاخر باللآلئ الفريدة ،، و بابا طاهر دانة من تلك الدانات ،، و لا غرو في ذلك فقد تعددت مضامين شعره و موضوعاتها لجميع مناحي الحياة في شعر كما الموج الهادي الذي يرفدك بأجمل الأنغام و المفردات و المعاني.
رحم الله الفقيد و غفر له و ابنته سميرة الأم الإنسانة الحنون و جعل لهما الجنّة مستقرا و مقاما … يارب آمين .
مقال رائع ومناسبة جميلة لحفظ إرث بابا طاهر