تمنيت يومًا لو وجدت منصة رسمية تستقبل دعاوى التنمر الوظيفي، خصوصًا ذلك الذي يمارسه بعض الرؤساء على مرؤوسيهم. فهذه الظاهرة، رغم انتشارها، ما زالت غائبة عن الاعتراف الرسمي، وكأنها لا تستحق أن تكون ضمن قضايا العمل الجادة، مع أنها تترك آثارًا نفسية ومهنية بالغة.
انتشر قبل فترة مقطع مرئي يحذّر الفتيات من الانسياق خلف المجاملات أو التساهل في التعامل مع الزملاء. كان المتحدث يوجه نصائح مباشرة: لا تردي على العبارات المبالغ فيها مثل “صباح الغلا” و “نورتي المكان”، لا تقبلي قهوة من زميل، لا تسمحي بأن تُستغل طيبتك أو خجلك في تفسير خاطئ. شدّد على أن الحياء فضيلة، بينما الخجل قد يكون ثغرة تُستغل للوصول إلى ما هو أبعد. وذهب إلى القول إن رسم الحواجز منذ البداية يزرع الاحترام ويمنع التمادي.
إحدى المتابعات علّقت على المقطع، وأشارت إلى جانب آخر من المشكلة. قالت إن بعض الزملاء ربما يرتدعون إذا وضعت الفتاة حدودًا واضحة، لكن الأمر يختلف تمامًا مع بعض الرؤساء.
التنمر الوظيفي لا يقف عند حدود الكلمات الجارحة أو التلميحات، بل يتجاوزها إلى سلوك منظم يستغل النفوذ والسلطة. قد يبدأ بتهميش متعمد، أو بحرمان من حقوق أساسية، أو بملاحظات علنية تقلل من قيمة الموظف، ثم يتطور إلى تضييق ممنهج يدفع الضحية إما إلى الاستسلام أو إلى الاستقالة. وفي كل الحالات، الخاسر الأكبر هو بيئة العمل نفسها التي تفقد عنصرًا منتجًا بسبب سوء إدارة العلاقة الإنسانية.
الخطير في الأمر أن الموظف لا يجد عادة قنوات آمنة للشكوى. فالمطالبة بالحق قد تُفسر على أنها تمرد، واللجوء إلى الجهات العليا قد ينتهي بمزيد من المضايقات، لأن الهيكل الإداري نفسه قد يحمي المتنمر بحكم المنصب. النتيجة: معاناة صامتة، وضغوط نفسية تتراكم، وأثر مباشر على الأداء والولاء المؤسسي.
فهؤلاء يملكون أدوات ضغط مباشرة: التقييم السنوي، الموافقة على الإجازات، الترشيحات، التقليل من شأن الموظف أمام زملائه، تحميله مهام فوق طاقته أو تكليفه بمهام لا علاقة لها باختصاصه لإرهاقه، المبالغة في مراقبته ومحاسبته على تفاصيل صغيرة، نشر إشاعات أو خلق جو عدائي تجاهه.
التوعية وحدها لا تكفي. نحتاج إلى أنظمة واضحة تجرّم التنمر الوظيفي، وتضع تعريفًا دقيقًا له، وتحدد آليات مساءلة عادلة، مع توفير منصات مستقلة تستقبل الشكاوى بسرية وأمان. كما أن على المؤسسات أن تزرع ثقافة الاحترام المتبادل، وتدرب القادة على مهارات إدارة الإنسان قبل إدارة المهام. فبيئة العمل الصحية ليست رفاهية، بل حق أساسي، ومفتاح لنجاح أي مؤسسة.
وقد توجهت بسؤال إلى الباحث القانوني د. عبد الوهاب شعيب بهذا الخصوص وبدوره أجاب: نظرتي لهكذا ظواهر
- التنمر وغيره من ظواهر التي غالبا ما تبحث تحت عنوان الجرائم غير المبلغ عنها أثر لمشكلة وليست هي في ذاتها حقيقة المشكلة أو حتى سببها.
- من الخطأ حصر مثل هذه الظواهر في نطاق العمل، فإن المراقب لحركة المجتمع يجدها أوسع انتشارا من أن تحصر في زاوية من زواياه.
- كأني بالكاتب قد نظر أمامه ولم ينظر وراءه ومن حوله، فإن فعل لوجد أن الضالعين في مثل التنمر أقران الرؤساء في كثير من أنحاء مجتمعنا. *في تحليلي للمشكلة أجدها في تناقض الشخص وانفصام فكره وشعوره عن سلوكه، فكيف بشخص – أينما وجد في وظيفة وفي غيرها أن يهذبه القانون أو يردعه في التجني على الآخرين مهما كانوا.
- سبب المشكلة الذي أدى ويؤدي إلى استيلاد الظواهر وتهجينها وبثها هو التكوين الخاطئ لشخصية إنسانا الذي نعايشه وإلى بيئة مجتمعنا التي يتحكم فيها فهم سطحي لديننا وطغيان تقاليدنا الجاهلية التي تصنف إلى درجات وتميزهم إلى فئات. فتم تصوير العديد من المفاهيم على أنها من الإسلام واستبان أنه لا علاقة بالإسلام، واستشرى فينا أن الضعيف يستغل ويتحرش به ويتنمر عليه، ولا يستطيع أن يحرك شعرة لأن شخصيته دجنت هكذا…
- في تقديري أن سن اللوائح والنظم لا يجدي في غياب الوعي المستنير للإنسان قبل أن يكون موظف، وأن معاقبة المخالف في غياب الحاضنة المجتمعية الواعية لن يقضي على الظواهر المستفحلة وإن أقيمت آلية محاكمة لكل ظاهرة.
- إني أهيب بكم وأتمنى عليكم أن تفكروا في سبب المشكلة قبل حقيقتها وأن تفكروا في محو أسبابها بعد أن تزيلوا أثارها… المشكلة أعمق…وأسباب أغمض… وحلولها في عقول أمثال كاتب المقال…وتنتجه من أفكار والمتابعين له.
الرابط المختصر لهذا المقال:

الطرح ممتاز وهذا وقت طرحه للنقاش وإيجاد آراء وحلول
وأنا
أقرأ مقالك حسّيت كأنك تسحب الستارة عن شيء
الكل يشوفه بس ما أحد يتكلم عنه. الفكرة وصلت
بشكل واقعي وهادئ، وتخلي الواحد يعيد ترتيب طريقة نظرته لبيئة العمل
رائع سلمت الأنامل