من خلال تعمقي ومطالعتي الدائمة في مجلة المنهل الغراء وكتب ومحاضرات عبدالقدوس الأنصاري وأحاديثه الإذاعية والمطلع في كتب الأنصاري حتى غير الباحث المتعمق يستطيع أن يرى بوضوح حب الشيخ الأنصاري واهتمامه بالقبيلة العربية العريقة (بني سُلَيم) وليس بغريب عنه فمنذ صغره وطفولته كانت نشأته بين كتب التاريخ والأدب والشعر العربي في الجاهلية وصدر الاسلام والأدب المعاصرة، وقرأ وحفظ الكثير من قصائد شاعرة العرب الخنساء السُّلمية، وقد خط سطوره الأولى عن تاريخ ديار بني سُلَيم في سنة 1367هـ (1947م/1948م) وبداية أول وأطول دراسة تاريخيه وأدبية وأثرية وبلدانية ميدانية عنها، فهي تحسب من أوليات عبدالقدوس الأنصاري ومن أشهرها مجلته المنهل كأول مجلة سعودية، فكان لا يكاد يفوت فرصة او مناسبة في محاضراته إلا بالحديث عنهم .. وعلى سبيل المثال: عُقدت أحد ندوات المنهل بعد انتقالها من مكة المكرمة إلى مقرها بجده في يوم 28 ذو القعدة 1390هـ وكان عنوانها «تطور الأسماء عن العرب» شارك فيها كوكبة من الأدباء البارزين وهم: محمد سعيد العامودي وحسين عرب وعبدالقدوس الأنصاري وعلي حافظ وأحمد عبدالغفور عطار وهم من رجال ندوات المنهل السابقة، وافتتح الندوة رئيس تحرير المنهل قائلاً: (كانت العرب في الجاهلية يسمون أبناءهم بأسماء الوحوش التى هى في بلادهم، وبأسماء الصخورة والجبال، والأماكن ببلادهم..
ومن الاسماء التى أطلقوها على أبنائهم وهى من أسماء الوحوش : أسد ، ونمر .. ومن الاسماء التى أطلقوها على أبنائهم وهى من أسماء الحجر: صخر.
ومن الاسماء التى أطلقوها على أبنائهم وهى من أسماء الأماكن : عبد الدار .. ) ويستطرد الأنصاري إلى ان يذكر مثالاً عن رجلاً من بنى سُليم ويذكر قائلاً :(بدل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا بعض الاسماء .. كان اسم أحدهم (جعيلا) فسماه النبي (عمرا). وكان آخر منهم سلمياً اسمه (غاوي بن ظالم) فغير الاسمين معا – اسمه واسم أبيه – وسماهما : (راشد بن عبد ربه) وذلك زيد الخيل .. غير اسمه الى (زيد الخير).
فهذا يدل على أن عبدالقدوس الأنصاري تعمق في دراسة أدق الأشياء عن قبيلة بني سُليم وليس فقط ديارهم و تاريخهم وشعرهم وسير وتراجم الصحابة والصحابيات السُلميين بل ماهو أبعد دراسة أكاديمية تصلح لتكون مناقشة دكتوراه.

وفي سنة 1367هـ يصدر للقراء كتيب صغير اسماه (تحقيق أمكنة في الحجاز وتهامة) تطرق فيه بشكل مؤجز عن ديارهم وقد طُبع مرتين أخرها في شهر رجب 1379هـ ووزع هدايا لمشتركين مجلة المنهل، وعاد بعد ست سنوات يكتب الأنصاري وينشر مقالاً مطولاً بعنوان: «قبيلة بني سُليم عبر التاريخ» في مجلّة «قافلة الزيت» التي تصدرها شركة أرامكوا السعودية بالظهران .. قائلًا: (وبالطبع فان زيادة المعلومات لدي، قد وسع من أفق المقال .. أكثر مما في الكتيب الصغير.. وقد ساعدني في ذلك عثوري على حجرين أثريين من بلادهم “التي أتى بها صديقه الشيخ مبارك عبدالتواب السُلمي لمكتبه بجده”، وبذلك يفتح له الطريق لتلك الرحلة الخالدة الأولى لعبدالقدوس الأنصاري لديارهم، فيقول :(والحقيقة أن تلك الآثار كانت بالنسبة لي من وجهة نظري الخاصة فاتحة طيبة أو مفتاح تاريخ بني سُليم أو المدخل إليه على الأقل..)

وفي ليلة الخميس الموافقة 20 ربيع الثاني 1390هـ يطلق ركابه إلى استكشاف ذلك الماضي المجيد من تاريخ بني سُليم ويحقق أمنيته المباشرة منذ أمد (كما يقول)، وخلال رحلته لم يفوت الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري ان يسير على خطى مشاهير العرب من بني سُليم (صخر ومعاويه وخفاف بن ندبة والعباس بن مرداس والخنساء..) ويصعد قمة جبل شمنصير الذي يوصفه قائلاً: (جبل شمنصير رأيناه شامخاً متمداً ومستعرضاً منبسط السطح من بعيد في الجهة الشرقية لقرية الكامل.. عن طبيعته وما يحويه من منابع ماء فياضه وأشجار ونبات غصن وفواكه وغيرها)، ووقف في عصر يوم الخميس على منبع عين قرية الكامل ومعه الشيخ عبيد السُلمي والشيخ ضيف الله بن هندي السُلمي والشيخ سعد صبر السُلمي ، كما كتب تحت الصورة المنشورة بعدد مجلته المنهل الخاص عن (رحلة ديار بني سُليم) الذي صدر في شهر شعبان 1390 هـ ولم يقف هنا عبدالقدوس الأنصاري بل توج رحلته وبحوثه ومقالاته طوال 24 سنة من (1367 هـ -1390 هـ) بطباعة كتابه «بنو سُلَيم .. عرض لشريط تاريخي عن امتدادِ الإِسْلَام وَالعُروبة من مهدهما إلى العالم» في سنة 1391 هـ، وامتلأت الصحف والمجلات بردود الفعل الإيجابية عن الكتاب وصار حديث الأوساط الاجتماعية والثقافية في حينه ويعتبر من أهم مؤلفاته وأثاره على الاطلاق، فقد كتب الشيخ حمد الجاسر في «مجلة العرب» سلسلة مقالات نقدية للكتاب ومحمد عبدالله المليباري كتب مقالاً نقدي بأسلوبه المعروف في جريدة عكاظ وهاشم دفتردار في مجلة المنهل ورزق الله محمد السُلمي ورسائل كثيرة من أمريكا وباريس والعالم العربي تشيد بالكتاب، والأستاذ عبدالقدوس الأنصاري يرد الحجة بالحجة العلمية في مجلة المنهل الغراء على كل الأطروحات النقدية كما هو عادته في ميدانه لا يشق له غبار، رحم الله الأديب الكبير والمؤرخ الجامع الرحالة عبدالقدوس الأنصاري «أبا نبيه».

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 282
Share