تعد العشر الأواخر من رمضان من أعظم الليالي في العام ففيها ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن فقد قال تعالى: «إنا أنزلناه في ليلة القدر» (القدر: 1) كما قال تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (الدخان 3-4)
ولعله من المناسب أن استحضر فيها شيئًا من أدبنا تسمو به النَّفس الإنسانيّة فوق الغرائز الدنيويّة والمطامع البشريّة إلى آفاق واسعة من الإيمان والفضائل والأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، كقصيدة «النفس المؤمنة» للأديب طاهر زمخشري التي تعود قصة وصولي إليها إلى العام 1997م (1418هـ) عندما شرعت بجمع وتدوين السيرة الغيرية لجدي لأمي الأديب طاهر عبد الرحمن زمخشري -رحمه الله- وذلك بالتواصل مع كل من عرفت أن لهم معرفة به، وكان من بينهم العم جابر الرفاعي -رحمه الله-، السائق الذي كلفته وزارة الإعلام بجدة كسائق خاص لبابا طاهر في أواخر حياته (1985م-1987م)، فحدثني عن الكثير من الحكايات والذكريات التي سمعها منه أثناء مرافقته له.
وقال لي “تذكرت أن بحوزتي ظرفًا به شريط كاسيت، نسيه معي في إحدى المرات ولا زلت احتفظت به طيلة هذه السنين حيث كنت كلما انتقلت إلى سيارة جديدة نقلته معي إلى درج السيارة الأخرى. سأعطيك إياه قد يكون فيه ما ينفعك”.
سعدت بذلك وأخذت منه الظرف وأنا على يقين بأنني حظيت بشيء ثمنين، وعندما استمعت إليه فإذا به تسجيل صوتي للأديب -رحمه الله- بدئه بقوله “هذه نبتة من نبتاتي… لقد كانت هذه هي الأولى، ولن تكون الأخيرة ما دام في العُمر بقيَّة… يا صديقي الوحيد… «النفس المؤمنة» ثم تنهد وأنشد بصوته المنهك من أثر المرض.
إيه يا نفسُ إلى الله أنيبي ثم تُوبي
وإذا وسوس شيطانِي بإثمٍ لا تُجيبي
واذكري الله ففي صوتكِ تكفيرُ ذنوبي
وثقي أن وراء الغيب علاَّم الغيوبِ
إلى آخر القصيدة … بأداء مؤثر بدا فيه وكأنه يتأهب للقاء ربه، وأعقب ذلك إلقاءه لعدد من القصائد منها وراء الأمل وإليك عني…إلخ وكنت أسمع صوت قفل وتشغيل التسجيل بين القصيدة والأخرى مما يشير إلى أنه سجل القصائد على فترات متفاوتة، فأدركت أنها مجموعة شعرية كان بصدد إصدارها في ديوان بعنوان «من نباتاتي» ولم يسعفه الوقت لإصداره.
وكان لسماعي إلى تلك القصيدة بصوته -لأول مرة- بعد عشرين عامًا من وفاته أثرًا بالغا في نفسي وأثار شجوني وأحيا الكثير من الذكريات التي عشتها معه. فعاودت الاستماع إلى الشريط مرارًا -خصوصًا- قصيدة «النفس المؤمنة» والتي تذكرت أنها كانت مقررة علينا في مادة النصوص الأدبية في المرحلة المتوسطة. ووجدت أنه كان قد نشرها في ديوانه «همسات» في العام 1952م (1372هـ)، وأعاد نشرها في ديوانه «أغاريد الصحراء» في العام 1957م (1377هـ). فتحمست ومضيت قدما في مشروعي لجمع وتدوين سيرته الذي كانت باكورته في العام 2005م بإصدار مؤلفي «الماسة السمراء بابا طاهر زمخشري القرن العشرين»، على أن أقوم لاحقا بإعادة نشر القصيدة مع بقية قصائده الدينية ضمن مجموعة شعرية مستقبلة.
وفي الأثناء التي كنت فيها أتابع وأجمع كل ما هو منشور عنه أو عن أعماله الأدبية عبر شبكة المعلومات لفت انتباهي خبرًا منشورًا في صحيفة الدستور المصرية (25 مارس 2015) وعدد من الصحف المصرية الإلكترونية الأخرى بعنوان «الإنشاد الديني في معهد الموسيقى الأحد القادم» ومما جاء فيه: «تواصل فرقة الإنشاد الديني بقيادة المايسترو عمر فرحات نشاطها الفني، حيث يقام في الثامنة مساء، الأحد، 29 مارس على مسرح معهد الموسيقى العربية حفلاً يتضمن باقة مختارة من الأغاني والابتهالات والأناشيد التي وضعها كبار الملحنين منها «بالعربي محمد» لإسماعيل سكر – «النفس المؤمنة» و«تجلى النور» لمرسي الحريري – «النبي صلوا عليه» و«سيدنا النبي محلاه» لسامي الحفناوي…» واستعرض بقية الخبر أسماء المؤديين الذين بلغ عددهم (18) مؤدي.
فأجريت بحثا مكثفًا لمعرفة ما إذا كان نشيد «النفس المؤمنة» هو نفسه قصيدة الأديب أم مجرد تشابه أسماء حيث إن الخبر لم يذكر أسماء المؤلفين. حتى وصلت إلى منتدى «سماعي لإحياء التراث الموسيقي والحفاظ على موروث الطرب العربي الأصيل» مرفوع عليه تسجيل صوتي منقولًا عن الإذاعة الكويتية بعنوان «إيه يا نفس» بصوت العالم الأزهري المنشد الكفيف الشيخ محمد الفيومي بألحان الشيخ الكفيف مرسي الحريري.
وبالاستماع إليه تأكد لي أن النشيد هو ذاته قصيدة «النفس المؤمنة» للأديب طاهر زمخشري قد أُستقطع منها 8 أبيات من أصل (16 بيتًا شعريًا)، وعلى الأرجح أنه سجل -لأول مرة- في ستينيات القرن الماضي في الفترة التي كان فيها الأديب -رحمه الله- مقيما في القاهرة وتعاون فيها مع عدد من الفنانين العرب من بينهم عباس البليدي، وغازي علي، ومها الجابري وبليغ حمدي ونزهة يونس..وغيرهم.
ولاحظت أنه حين نشرها على المنتدى لاقت صدًا واسعًا بين رواد المنتدى الذين تفاعلوا معها بتعليقات أدبية ونقدية من بينها ما ذكره العضو (abuhany) بأن معنى كلمة “إِيهِ” تدخل تحت تصنيف نحوي يُسمَّى: اسم الفعل، وهي تحمل معنى الأمر، والمراد طلب زيادة الحديث من المخاطَب؛ فكأن الشاعر دار بينه وبين نفسه حديث فيه تحاور حول فعل الطاعة وترك المعصية، وامتدّ الحوار فطلب إليها ــ بما يشبه التهديد ــ أن تزيد ما شاءت من القول الذي لا يفيد، ونصحها بالرجوع إلى الله وبالتوبة من المعاصي.
وعقب عليه العضو «غريب محمد» بأن معناها هنا ليس الغرض منها الاستزادة أي طلب زيادة الحديث ولكنها هنا للزجر والإسْكاتِ والكفّ فهنا يأمر القائل نفسه بالعودة إلى الله -عزّ وجل- والتوبة وألاَ تنساق لوساوس الشيطان واسم الفعل (إِيهِ ) هنا بمعني (حسبك).
وعلى ضوء ما التمسته من اهتمام بالقصيدة واستمرارية إحيائها من قبل فرق الإنشاد وانتشارها رغم قدمها قررت إضافتها في كتابي قيد التأليف «أغاني بابا طاهر – كلمات ومناسبات» الذي جمعت فيه عشرات من قصائده التي غنت وحيثياتها ومناسباتها.
وإذ إني سردت حكايتي معها هنا عسى أن تنال حظها من المهتمين بالحفاظ على إرث الفن والأدب السعودي بإعادة توزيعها بما يوائم زمننا الحاضر أسوة بما فعلته الأوركسترا السعودية مع أغنية «المروتين» أو كما فعل محمد عبده مع قصيدة رباه لتبقى كإحدى القصائد الروحانية الخالدة التي تغذي المناسبات الدينية -خصوصًا- ليالي رمضان المبارك.
وفيما يلي القصيدة كاملة كما نشرت في الديوان «لقد كانت هذه هي الأولى، ولن تكون الأخيرة ما دام في العُمر بقيَّة… يا صديقي الوحيد…».
إيه يا نفسُ إلى الله أنيبي ثم تُوبِي
وإذا وَسْوَسَ شيطانِي بإثم لا تُجيبي
واُذكري اللهَ ففي صوتِكِ تكفيرُ ذنوبِي
وثِقِي أَنَّ وراءَ الغيبِ علاَّمَ الغيوبِ
وهو الله
***
سَبِّحِي لِله يا نفسُ وصَلِّي واُشكُرِيهِ
وإذا عاثت بك البلوى وهاجت فاذكُريه
إنَّه الشيطانُ يُغْوِيكِ لتَشْقيْ فاحذريهِ
فإذا غالَكِ إثْمٌ جامحٌ فاستغفريهِ
سبِّحي الله
***
كم ذُنوبٍ ضَيَّعتْ مِنِّـيَّ أيَّام شَبَابي
والردَّى القانِصُ جاثٍ واجمٌ طيَّ ثِيابي
وأنا السادِرُ لا أدري فقد أغْفَى صوابي
فمنِ العاصِمُ إِنْ وَافَى مع الصبحِ كِتَابي
رَبِّـيَ الله
***
الرزايا عِظَةُ الغافِل في دنيا الفنَاءِ
وصلاةُ النفس في النَّجْوىَ محطٌ للرجاءِ
يقظةٌ يا نَفْسُ فالدنيا نَسِيجٌ من هباءِ
وغداً أَلقَى لدى الموت وفي القبر جزائي
حَسْبيَ الله
***
في تصاريفِ قضاءِ اللهِ للغاوينِ لُطْفُ
وَلَهَا في كلِّ قلبٍ مؤمنٍ باللهِ رَجْفُ
فاستفيضي عبرةَ الحسرةِ وَبْلاً لا يَجِفُ
وأعلني التوبةَ يا نفسي فها للدمع وَكْفُ
وأذكري الله
***
الليالي وَمَضَاتٌ وبُروقٌ ثم تَخْبو
كلُّ من تُنجبُ يبكي، ثم للآلام يَحْبوُ
وهي تغريه بومضٍ من مرائيها فيصبو
حَسِبَ الخُلْدَ بها، لم يَدْرِ أن العمر دَرْبُ
قُدْرَةُ الله
***
عونَكَ اللهُمَّ قد ضجَّ بجنبيَّ ضَميرِي
وفؤادي خَاِفقٌ يَرْجِفُ مُلْتَاثَ الشُّعورِ
وأنا اللاهِثُ في سَعْيِ ولا أدري مصيري
فَأنِرْ بالهدْيِ آفاقي وبَارِكْ في مسيري
عونَك الله
***
أنا في دُنْيَايَ ظِلٌ لحياةٍ لا تدومُ
وهَوَى نَفْسِيَ لو أَقْفوه شيطانٌ رَجِيمُ
وحَيَاتي بالشَّجا الكاوي حَرُورٌ وجحيمُ
فإذا عاثت بِجَنْبيَّ هُمومٌ وكلومُ
رحمةُ الله
الرابط المختصر لهذا المقال:
إرث رائع ولا ينسى ويحق له سيرة عطرة
شكرا لك أستاذنا الفاضل محمد على ذلك.
جميل ،، وقدجاءت ضمن كتابي ( الإلهام و الأصالة في شعر طاهر زمخشري ) فصل المضامين ،، المضمون الديني ،، و هي قصيدة تحمل مشاعر إيمانية عظيمة ،، و روحانية .
غفر الله لبابا طاهر و رحمه يارب آمين .