إِلَهِي خطايَا ضِقْتُ ذَرْعًا بِحَمْلِهَا |
رَحِمْتَ فَلَمْ أَقصرْ فعادَتْ خطيئَتِي |
تآكل منه كلُّ ما في جَوَارِحِي |
وخلَّفَ داء عضَّنِي في حُشَاشتي |
إِلَهِي خطايَا عن يمينِي وَيسْرَتِي |
وأشباحُها سَدّتْ طريق استقامَتِي |
وعزْمي كليلٌ كيفَ يحمل خطوَتي |
اسيرُ بليلٍ سِتْرُهُ حَالكً الرؤى |
وأنتَ لَهَا بِاللُّطْفِ تَمْحُو وتَغْفِرُ |
عَلِيَّ بِهَمٍّ وهو لِلنَّفْسِ يَهْصُرُ |
فلا حولَ والآلامُ حولي تَصْفِرُ |
بإيلاَمهِ يُكْوَى الفؤادُ المُفَطَّرُ |
تلاحِقُ خَطوًا كم بها تَتَعَثَّرُ |
بليلٍ طويلٍ صبحهُ ليس يُسْفِرُ |
ويمضي بها والرّشْدُ مِنَّي مُحَيَّرُ |
فكيف به يَمشِي الكلِيلُ المُعَثَّرُ |
هذه أبيات من قصيدة «إلهي» للأديب طاهر زمخشري -رحمه الله- المنشورة في ديوانه «معازف الأشجان» 1975م (1395هـ). وهي من أواخر أعماله مع الإذاعة السعودية المرتبطة بشهر رمضان المبارك، سجلت في 1401/08/25هـ – 1981/06/28م
وذلك حينما قام الإذاعي القدير أمين قطان بأعداد مادة رمضانية للإذاعة في العام 1401هـ كانت عبارة عن مختارات شعرية من قصائد الأديب الدينية على أن تؤدى كابتهالات بطريقة المجس وتذاع يوميًا طيلة أيام شهر رمضان واختير لأدائها الفنان علي عبد الكريم أحد أبرع مؤدي فن “المجس” آنذاك وهو نوع من أنواع فن الموال الحجازي يؤدى في المناسبات الاجتماعية والدينية اشتهر في (مكة والمدينة وجدة)، يغنى من بيتين أو أربعة أو سبعة أبيات؛ ويكتسب بديعيته من صعوبة أدائه؛ حيث يبدأ المؤدي “الجسيس” بمقام معين ثم ينتقل إلى مقام آخر، ليعود إلى نفس المقام الذي بدأ به، ومن تلك المقامات مقام الحجاز، والبنجكة، والحراب وهو فرع عن الرست…وغيرها، ومن أشهر رواد فن المجس إسماعيل كردوس، حسن جاوه، سعيد أبو خشبة، عبد الرحمن مؤذن (الأبلاتين)، حسن لبني..
وكان الفنان علي عبد الكريم قد أتى على ذكر تلك الفقرة الدينية في كلمة له نشرت في كتيب احتفال الأسرة الفنية بمناسبة حصول الأديب طاهر زمخشري -رحمهالله- على جائزة الدولة التقديرية عام 1405هـ قال فيها: “مهما قلت فإنني لا أستطيع أن أوصف مشاعري ومحبتي واعتزازي به.
بابا طاهر فعلا أب ونعم الأب أحببته وصاحبته قارئًا لإبداعاته الشعرية واحتفظ له بأكثر من ديوان، وقد سعدت بأداء ابتهالات دينية من أشعاره خلال شهر رمضان عام 1402م. أعدها للإذاعة الإذاعي الزميل أمين قطان وأذيعت يوميًا طوال أيام الشهر الكريم، وفي حفل هذا المساء التكريمي الذي تقيمه الاسرة الفنية، سأغني مع محبيه أحلى ما كتب، سأغني (أسمر حليوة) من ألحان الفنان المبدع غازي علي.. والتي سبق وشدا بها النغم الكبير طلال مداح منذ سنوات وسنوات ولا زالت جديدة لصدق معانيها واكتمال الثالوث الفني الإبداعي في أنغامها.
سأغني للأسمر الذي نحبه حتى الثمالة بصدق لبابا طاهر.
لقد التقيت به في حياتي منذ أن تعرفت عليه ـربعة مرات، ولكنها كالسنوات. في كل مرة التقيه فيها يأخذني بالأحضان بحنان الاب والصديق.
وآخر مرة التقيته فيها قبل عامين تقريبًا في أروقة الإذاعة وقبل أن اساله عن صحته والاحوال سألني عن حياتي ومشواري الفني والجديد.
إن بابا طاهر فخر لنا كفنانين ومعجبين بعطائه المميز وفخر للوطن..”
والآن بعد مضي نحو 45 عامًا على تلك الفقرة الدينية التي لاقت نجاحًا وصدًا واسعًا في حينها أجدها فرصة لدعوة الفنانين السعوديين إلى إحياء الابتهالات الدنية السعودية، كذلك إنتاج أعمال فنية جديدة تجمع بين الإبداع الفني التراثي والشعر الفصيح والإنتاج الإعلامي الحديث اسوة بتلك الفقرة الدينية التي أعدها الإعلامي القطان من قصائد الزمخشري وأداها الفنان علي عبد الكريم، وذلك من أجل الارتقاء بفن الابتهالات الدينية السعودية إلى مصاف العالمية في ظل تراجع الإقبال على مثل هذا النوع من الفنون التي تسمو به النَّفس الإنسانيّة فوق الغرائز الدنيويّة والمطامع البشريّة إلى آفاق واسعة من الإيمان والفضائل والأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، وفي هذا السياق أورد الأبيات الكاملة لقصيدة «إلهي» التي أتيت على ذكرها في مطلع حديثي:
إِلَهِي خطايَا ضِقْتُ ذَرْعًا بِحَمْلِهَا |
رَحِمْتَ فَلَمْ أَقصرْ فعادَتْ خطيئَتِي |
تآكل منه كلُّ ما في جَوَارِحِي |
وخلَّفَ داء عضَّنِي في حُشَاشتي |
أَتيْتُكْ يا رَبَّاه أرجو شفَاعَةٌ |
وَخطْوِي وَئِيدٌ كَبَّلَتْهُ خَطِيئَتِي |
وأُرجِعُ سؤْلِي في ضَرَاعَةِ نَادِمٍ |
وفيهِ العَطَاء السَّمحُ واسعُ رحْمَةٍ |
وفيه ابتِسَامَاتُ الأمانِي وضيئةٌ |
ومازالتُ يا ربَّاه أرجوكَ حاجَة |
إِلَهِي خطايَا عن يمينِي وَيسْرَتِي |
وأشباحُها سَدّتْ طريق استقامَتِي |
وعزْمي كليلٌ كيفَ يحمل خطوَتي |
اسيرُ بليلٍ سِتْرُهُ حَالكً الرؤى |
فخطوِي وئيدٌ والضَّلالَةُ مِقْودي |
وجِسْرُ يقينِي لا يزالُ امتدَادُه |
لأنَّيَ بالإيمانِ رغم مآثِمِي |
وجودُك يا ربَّاه أعذَبُ مَوْرِدٍ |
وليس سوى محوِ الذّنُوب جميعهَا |
وملءُ وفَاضِي يا إلهي كَبَائِرٌ |
وأنتَ لَهَا بِاللُّطْفِ تَمْحُو وتَغْفِرُ |
عَلِيَّ بِهَمٍّ وهو لِلنَّفْسِ يَهْصُرُ |
فلا حولَ والآلامُ حولي تَصْفِرُ |
بإيلاَمهِ يُكْوَى الفؤادُ المُفَطَّرُ |
وهل غيرُك الشَّافِي أُنَادِي وأذْكُرُ |
فهل غيرُ عفو منكَ لِلقيدِ يكْسِرُ؟! |
وإنِّي من ذِي اَلطّول بِالردّ أظْفُرُ |
تُعالِجُ أدوائِي وتأسُو وتَجْبُرُ |
ومنها الأيَّامِي نَشِيدٌ ومِزْهَرُ |
فزدنِي يقينا أنَّكَ اللهُ أكْبَرُ |
تلاحِقُ خَطوًا كم بها تَتَعَثَّرُ |
بليلٍ طويلٍ صبحهُ ليس يُسْفِرُ |
ويمضي بها والرّشْدُ مِنَّي مُحَيَّرُ |
فكيف به يَمشِي الكلِيلُ المُعَثَّرُ |
ولكنَّ إيمانِي على الدّربِ مَعْبَرُ |
مُنِيرا فلا أكبُوا ولا أتَعَثَّرُ |
سأقصُدُ وِرْدًا منه بالعفو أصدُرُ |
وفيه العَطَاءُ السَّمْحُ برْدٌ وكوثَرُ |
أريدُ وإنِّي مذْنِبٌ ومُقَصَّرُ |
فزِدْنِي يَقِينا أنَّكَ الله أكْبَرُ |
الرابط المختصر لهذا المقال:
كاتب ومؤلف، ومهتم بتدوين سيرة الأديب طاهر زمخشري وأعماله، خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية، أمين عام جمعية إبصار سابقًا، ومدرب مضيفين سابق في الخطوط السعودية.