كنت في صبيحة يوم (الأحد 19 أكتوبر 2025) على موعد مع واحد من أصعب التحديات التي مررت بها خلال مشواري مع منشآتي متناهية الصغر حسب تصنيف وزارة التجارة (سطور للنشر) واستلزم مني رباطة جأش والتصرف بحكمة.
فبعد عودتي نشوان فرح بنجاح مشاركتي في البرنامج الثقافي لهيئة الأدب والنشر والترجمة المصاحب لمعرض الرياض الدولي للكتاب (02-11 أكتوبر 2025م) وأتأهب للمشاركة في معرض جدة للكتاب (11-20 ديسمبر 2025م). ذهبتُ إلى مكتبي في تمام الساعة التاسعة صباحًا -كعادتي- برفقة مساعدي الإداري، متسلحًا بتلك الحماسة التي عدت بها من الرياض، وعند شروعي بفتح باب مقر الشركة فوجئت بأن قفله قد غُير.
فاستغربت من الأمر وعلى الفور اتصلت بالمسئول العقاري للمركز فأجابني بكل بساطة بأن علاقتهم بالمركز قد انتهت وأخلوا مكتبهم، وأن المركز سيعرض للبيع في المزاد العلني من قبل محكمة التنفيذ لخلاف بين الورثة.
فذهلت من إجابته وسألته “ما العمل فجميع مقتنيات الشركة داخل المكتب” فأجاب مؤكدًا بأن ليس بيديه أي شيء يستطيع فعله من أجلي لانتهاء علاقتهم بإدارة المركز، وهكذا انتهت مكالمتنا.
هيمنت عليَّ الحيرة فيما يجب عمله فلم أكد أصدق ما يجري. فوضت أمري إلى الله والتقطت أنفاسي وشرعت ومساعدي في مغادر المكان ونحن نفكر ونتباحث فيما يجب عمله، وعندما وصلنا إلى الطابق الأرضي التقينا بالحارس وسألناه عن الوضع فأشار إلى موضع إعلان كان معلقًا على الحائط الجانبي للممر لم نلحظه من قبل، مضمونه قرار صادر عن حكمة التنفيذ بأنه يجب إخلاء العقار خلال خمسة أيام من تاريخ تعليق الإعلان وتسليمه للمحكمة لبيعه في المزاد العلني، وأنه في حالة عدم الإخلاء سيتم تطبيق العقوبات المنصوص عليها في نظام التنفيذ وإخلاء العقار بالقوة الجبرية، وأُرفق إلى جانب الإعلان وسائل التواصل مع المعنيين بالأمر.
الأمر الذي زاد من حيرتي وقلقي فيما يجب عمله فكل ما يتعلق بالشركة من أثاث، وأجهزة، ومعدات، وسجلات وعقود، وأعمالي وأعمال المؤلفين الأدبية التي لا تزال قيد الإصدار داخل المكتب ولا يمكنني الوصول إليها. وأن آخر موعد لقبول طلبات التسجيل لدور النشر في معرض جدة للكتاب سيكون بعد سبعة أيام من ذلك التاريخ (26/10/2025م).
عدت إلى المنزل وعشرات التساؤلات التي لا إجابة لها تساورني وتشغل بالي وعلى الفور بعثت برسالة إلى عنوان المعني بالأمر، مستفسرًا عن الوضع ومطالبًا بتمكيني من دخول المكتب وتمديد العقد حتى نهاية العام إن أمكن أو منحي مهلة مناسبة لإيجاد مقر بديل.
فتواصل معي مدير مكتب المالك بخصوص طلبي شارحًا -بلطف- الوضع وأن المركز أصبح تحت مسئولية المحكمة ولا يمكنني ممارسة العمل فيه سيما وأن عقد الإيجار قد انتهى ولا يمكن تجديده، ولكنه سينسق أمر فتح المكتب لي لإخلائه.
وبعد عدة أيام -بالفعل- تم تمكيني من الحصول على قفل ومفتاح بديل للمكتب لإخلائه، ولكن كانت المشكلة في إيجاد المكان البديل المناسب من حيث المساحة وتكلفة الإيجار والموقع …إلخ، ولمحدودية الوقت وظروف الشركة المالية اضطررت لعرض أثاث وأجهزة ومعدات المكتب للبيع.
وبعد مضي نحو 6 أسابيع تمكنت من استئجار غرفة مؤقتة لدى أحد المكاتب الهندسية كان صاحبه من الذين أخلوا مكاتبهم من المركز واستأجر في مركز آخر فتعاطف معي وعرض عليَّ تأجيري غرفه زائدة لديهم لتخزين ما أمكن من كتب المؤلفين وما تبقى من أثاث وأجهزة ومعدات الشركة.
وسابقت الزمن بأن أسجل -على الأقل- أنا ومؤلفي الدار في ركن المؤلف السعودي بمعرض جدة الذي سمح هذا العام بالمشاركة فقط بعنوانين -على الأكثر- لكل مؤلف و20 نسخة كحد أقصى وخسرنا المشاركة كدار نشر في المعرض، وفرصة بيع أكبر قدر ممكن من الكتب نظرًا لفوات الأوان، وأصبحنا نمارس عملنا عن بعد ريثما يتم إيجاد مقر بديل والانطلاق للعمل بصورة طبيعية من جديد.
لقد فتحت هذه الأزمة عيني على عدة جوانب من أهمها الافتقار لخدمات التخزين المؤقت داخل المدينة والنقليات بطرق احترافية بأسعار ميسرة، وسوء مظاهر المكاتب المعروضة للإيجار المستخدمة سلفًا، وحلول الأزمات الطارئة لمنشآت قطاع النشر المتناهية الصغر، والأهم من ذلك كله مشكلة خلافات الورثة وما يترتب عليها من قطيعة بسبب المنازعة على توزيع الميراث وما تسببه من أضرار اقتصادية واجتماعية وإنسانية.
فكلما تصادف أن حدثت أحدًا عن المشكلة التي واجهتها، إلا وقال «اووووه هذه المشكلة مشكلة سائدة ومنها كثير»، فاسترجعت بذاكرتي أنه -بالفعل- قد مر عليَّ أكثر من حالة لإخوة وذوي قربى أصبحت بينهم قطيعة بسبب الخلاف على الميراث رغم أنهم يصلون ويصمون ويزكون…إلخ وينسون عِظم ذنب قطيعة الرحم.
والواقع إن هذه المشكلة قد تكون -فعليًا- متكررة في المجتمع فقد استطلعت منصة “إنفاذ” التابعة لوزارة العدل ولاحظت ارتفاع عدد المزادات العقارية المعروضة، وهو ما يعكس اعتمادًا واسعًا على البيع بالمزاد في تصفية الأملاك ومنها بالطبع “حالات ورثة عند تعذّر الاتفاق بين الأطراف”.
والحقيقة إن نزاعات الورثة حول تقسيم الإرث العقاري وبيعه في المزاد العلني يؤدي إلى احتمال انخفاض قيمة الأصل وضياع أصول استثمارية مولّدة للدخل للورثة، أو عدم استقرار المستأجرين عند تغير المالك بعد المزاد، فقد تُطرح شروط جديدة من رفع إيجارات، أو طلب إخلاء، ما يهدد مصالح المستأجرين وهو أثر اقتصادي على الفئات الأقل قدرة. وذلك ما واجهته فعليًا عند الإخلاء الإجباري.
كما أنه قد يؤدي إلى قطيعة الرحم وتفكك الروابط الأسرية والوقوع في ذنب عظيم غلظ الله تحريمه وهو «قطيعة الرحم» بقوله تعالى في سورة محمد (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (23)). وقوله ﷺ (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ. قالَ ابنُ أَبِي عُمَرَ: قالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ) رواه مسلم.
وبرأيي أنه للحد من الوقوع في مثل هذه المنازعات هو كتابة وصية عادلة وواضحة وموثقة وفق الحدود الشرعية والنظامية، أو تفاهم أسري باللجوء إلى حكماء الأسرة أو لجان وجمعيات إصلاح ذات البين، إضافة إلى رفع الوعي بأحكام الميراث وأضرار المنازعات حوله وأختم دردشتي بما قاله الشاعر:
أهل المحبة والمودة غابوا *** هذا الزمان تفرق الأحباب
حبل الوداد تقطعت أوصاله *** بين الأقارب ما هي الأسباب؟
غاب التراحم والتلاحم بينهم *** والحب والإخلاص والأنساب
للمال والأطيان هم يتنازعوا *** ولكلّ أصحاب الفروض نصاب
يا من نزعت الحق من أصحابه *** إن الجزاء مذلة وعذاب
يا قاطع الأرحام في كل الدنا *** ستجده في كأس الحياة شراب
دين القطيعة مضمون الوفا *** ويريكه الأولاد والأصحاب
لا تتركوا الأحقاد تملأ صدرنا *** فيشيب منها القلب وهو شباب
لا تجعلوا الشيطان يمسح عقلنا *** والنور يصبح في العيون ضباب
لا تقطع الأرحام واطرق بابها *** للصلح دوماً تفتح الأبواب
صلة الرحم هي بركة في عمرنا *** وصفا الأحبة نظرة وعتاب
فالله يكرم من يواصل أهله *** ورضا الإله له يكون ثواب
الرابط المختصر لهذا المقال:

مقال يكتب بماء الذهب ويعد درسا يتعلم منه أصحاب القرارات في العقارات
بالتوفيق والنجاح الدائم
اللهم أهدي العباد واصلح ذات بينهم اللهم أمين.