في ثمانينيات القرن الماضي كنت أتردد على مدينة التفاحة الكبيرة «نيويورك» بحكم طبيعة عملي السابق كطاهٍ جوي في الخطوط السعودية، حينها كنت مغرمًا بموسيقى الهيب الهوب والمزج الموسيقي بصفة عامة الذي كنت أمارسه كهواية بعد أن حصلت على عدة جلسات تدريبية في المزج الموسيقي والمسارات الصوتية، وكان حلمي آنذاك نشر بعض من موسيقانا الشعبية في السوق الأمريكي، بعد أن أدركت من دروسي الأولية بأنها تتضمن قواعد الموسيقى العالمية، لكنها تفتقر إلى الحداثة في الإنتاج من حيث الهارموني، والتسجيل متعدد المسارات، واستخدام المؤثرات الصوتية، والمكساج الموسيقي بالأساليب التقنية الحديثة، فكنت استخدمت بعض الأغاني والموسيقات العربية التي كانت ذات طابع عصري يلائم الموسيقات العالمية، مثل ألبومي فيروز «كيفك انت» و«خليك في البيت» وألبومي الموسيقار عمر خيرت “ليلة القبض على فاطمة” و«العرافة والعطور الساحرة» وبعض من موسيقى «الراي» التي راجت في ذلك الوقت. ثم مزجها مع بعض الأغاني الغربية، وترويجها بين أصدقائي ومعارفي من محبي الموسيقى الأمريكيين في نيويورك.

وبعد مرور نحو 40 عامًا من تلك الفترة التي ابتعدت فيها عن المزج الموسيقي، وخلال حديث هاتفي مع ابني سندس المقيم في أمريكا، فاجأني بخبر فني غير متوقع وهو أن أغنية “ماذا أقول” للفنان الراحل طلال مداح قد انتشرت ولاقت رواجًا في أمريكا وذلك بعدما قامت فرقة الهيب هوب الأمريكية الشهيرة « كليبس (Clipse)» باستخدام مقطع صوتي مستلهم منها في افتتاحية أغنيتهم «So Be It» التي صدرت ضمن ألبومهم الجديد «Let God Sort ’Em Out»، في 11 يوليو 2025م من إنتاج الفنان العالمي «فاريل ويليامز (Pharrell Williams)».

وقد لفتت الأغنية الانتباه فور صدورها، ولاقت اهتمامًا سريعًا، وتصدرت قوائم البث بعد أقل من يومين من طرحها، وحققت أرباح وانتشار جيد في القوائم الرقمية، وتناقلت بعض وسائل الإعلام المحلية والعالمية المهتمة بالشؤون الفنية أخبارها كمجلة «هي» بعنوان: «بمشاركة فاريل ويليامز.. Clipse يعودان بأغنية مستلهمة من طلال مداح ولمسة سعودية استثنائية»، وموقع AllHipHop بعنوان «Swizz Beatz Saved Clipse’s ‘So Be It’ With Saudi Power Move» في إشارة إلى تدخّل المنتج الشهير «سويز بيتز (Swizz Beatz)» أثناء تواجده في السعودية لتسوية الحقوق القانونية للعينة الصوتية لصالح الفرقة. حيث واجهت الفرقة صعوبات قانونية في استخدام المقطع فبحسب موقع Milleworld، فإن الفرقة واجهت تأخرًا في تصاريح استخدام العينة، ما أدى لنشر نسخة أولية من الأغنية بدونها، قبل أن يتدخل Swizz Beatz ويحسم الملف، لتُعاد العينة لاحقًا إلى النسخة الرسمية.

وكان منتج الأغنية «فاريل» قد استمع لأغنية طلال مداح مصادفة وأعجب بها، وبوعيه الفني واهتمامه بالتراث قرر استخدام مطلعها في إحالة إلى التراث الفني السعودي والمزاج الشرقي العاطفي والرمزية المرتبطة بطلال مداح كأحد رموزه وجسرًا بين الكلمة واللحن، وهو الأمر الذي أثار اهتمام واسع كمثال نادر جدًّا في مسيرة الإنتاج الفني لفاريل، الذي عادة لا يركّز على العينات.

وقد أُنتج للأغنية فيديو كليب من إخراج المخرج والمصور الأمريكي «Hannan Hussain» ذو الأصول جنوب آسيوية، صوّر في قصر (Oheka Castle) بنيويورك، باللون الأبيض والأسود، ونشر على قناة الفرقة على YouTube في 11 يوليو 2025م، وحصد حتى إعداد مقالي هذا أكثر من 12 مليون مشاهدة، كما أن الألبوم الذي تضمن للأغنية قد حقق المركز الأول خلال الأسبوع الأول من صدوره ضمن الألبومات المستقلة (Independent Albums)، والمرتبة الرابعة ضمن قائمة Billboard 200 بتسجيله حوالي 118,000 وحدة موزّعة في الأسبوع الأول للحجز والمبيعات، وثاني أفضل مبيعات في مسيرة فرقة Clipse حتى الآن.

وقد يعود السبب في ذلك إلى غياب الفرقة عن الساحة لنحو 15 عامًا وعودتها بفكرة جديدة في الراب وموسيقى الهيب هوب الأمريكية.

وبحسب التحليل الفني لبرنامج الذكاء الاصطناعي شات جي بي تي فإنه يتوقع للأغنية أن تحقق صعود في القوائم والمبيعات خلال الفترة القادمة للأسباب التالية

  • الحنين الثقافي + الحداثة الإنتاجية حيث إنها تستند إلى عينة صوتية من طلال مداح، وهذا يخلق ما يُسمى بـ “moment of emotional familiarity” – أي لحظة حنين خفية حتى لمستمع لا يعرف طلال، ما يمنحها عمقًا وخصوصية.
  • قوة الألبوم ككل Let God Sort ’Em Out الذي جاءت فيه الأغنية وتصدّر قوائم الألبومات المستقلة وحقق مبيعات عالية جدًا في أول أسبوع (118 ألف وحدة). وهذا الزخم قد يُنعش الأغنية لاحقًا.
  • عودة الفرقة Clipse لجمهورها المتعطش لها بعد غياب 15 عام ما يجعلهم يتلقفون ألبومهم الجديد بنهم إضافة إلى اكتسابهم لجمهور جديد.
  • استخدام صوت فنان عربي كلاسيكي في أغنية هيب هوب أمريكية هو حدث غير معتاد، وقد يؤدي إلى “Viral resurgence” — أي عودة مفاجئة للأغنية عبر مقاطع TikTok أو تغطيات صحفية إضافية.

أما عن التحديات التي قد تواجه الأغنية وتؤدي إلى بطء وتراجع صعودها هي

  • عدم وضوح الهوية اللحنية فرغم جماليتها الفنية فهي ليست سهلة الهضم لكل فئات الجمهور، خاصة أن بدايتها تحمل طابعًا دراميًا بطيئًا، وقد لا يجذب مستمعي البوب أو الراب المعاصر الذين يبحثون عن الإيقاع السريع.
  • صدور الأغنية في موسم مزدحم بأعمال من فنانين كبار مثل ترافيس سكوت، وذا ويكند، ودريك، وهؤلاء يسيطرون عادة على قوائم الـ Billboard سريعًا.

والواقع أنني لم أكن أحلم أن أسمع ذات يوم مقتطفًا من أغنية “ماذا أقول؟” للفنان الراحل طلال مداح، في افتتاح أغنية أمريكية تجتذب جماهير الهيب هوب والراب حول العالم من إنتاج فنان عالمي لطالما سحر مستمعوه بإبداعاته المبتكرة التي منها ما صنعه مع طلال مداح كاعتراف ضمني بفرادة طلال، وخلود إحساسه. والأهم هو أن الفن لا يحتاج إلى ترجمة. فتعريف السوق الأمريكي بطلال مداح وأغنيته يعتبر بحد ذاته نجاحا للفن السعودي فالسوق الأمريكي أكبر سوق للموسيقى وأكثرهم تأثيرا على الجمهور ونقل الثقافات، وذلك ما جعلني منذ ثمانينيات القرن الماضي أسعى إلى نقل موسيقانا إلى هذا السوق العالمي واستمريت في ذلك إلى سنوات قريبة من خلال عدد من مقالاتي منها مقالي عن أغنية «جيب الجول على الرايق» ومقالي «لعبة المزمار ما بين المارشل آرتس والهيب هوب» خصوصًا وأن لدينا تراثًا فنيًا عميقًا يتوائم مع الكثير من الأذواق والأمزجة الفنية لاحتكاكه بثقافات متعددة على مر العصور بحكم موقع المملكة الجغرافي. ولكنها بحاجة إلى لمسات تطويرية تجعلها جاذبة لأسواق الموسيقى العالمية.

وأجدها فرصة مناسبة أن أهيب بفنانينا خاصة الشباب خوض تجربة نقل موسيقانا إلى السوق العالمي واغتنام الفرصة المناسبة بتجهيز بعض الأغاني التي بطبيعتها تتوائم مع ذلك مثل أغنية «جيب الجول على الرايق» لطبيعة لحنها وسهولة كلماتها وتضمنها لمفردات إنجليزية ووجود مناسبة كأس العالم في أمريكا، والمروتين لما تتضمنه من هارمني وتوزيع موسيقي قابل لإعادة الإنتاج العالمي بسهولة وغير ذلك من موسيقانا التراثية والحديثة الكثير.

واختم دردشتي هذه بأبيات من كلمات أغنية «ماذا أقول» للأمير الشاعر سعود بن سعد آل سعود المعروف بفتى الشاطئ ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب -رحمهما الله-

ماذا أقول، وقد همت فيكِ، والسحر قد فاض من عينيكِ
والبدر يشكو من بهاكِ ويختفي، والورد يزهو من سنا خديكِ


وأبيات من أغنية So Be It

You sold your soul for the glow, that’s what I heard

So when I see you in the mirror, you can’t say a word

**الترجمة:**

بعتَ روحك من أجل البريق، هكذا سمعت

فعندما تنظر إلى المرآة، لا تملك ما تقوله

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 153
Share