كان صباح يوم الخميس 09 أكتوبر 2025 صباحًا مختلفًا لا في جوه أو في قهوتي التي اعتدت على إعدادها صباح كل يوم، بل فيما كنت مقدمًا عليه وهو السفر إلى الرياض برفقة زوجتي أم سندس للمشاركة -لأول مرة- بتقديم ورشة عمل في البرنامج الثقافي لمعرض الرياض الدولي للكتاب 2025 بدعوة كريمة من هيئة الأدب والنشر والترجمة.

وفي تمام الساعة 11:00 صباحًا غادرنا إلى المطار لاستقلال رحلة الخطوط الجوية السعودية رقم «SV1032» على درجة الأعمال التي أقلعت بنا في تمام الساعة 01:00 ظهرًا، وبعد مضي نحو ساعة و50 دقيقة وصلنا مطار الملك خالد وكان كل شيء قد تغير عليَّ إذ إنها المرة الأولى التي آتي فيها إلى الرياض منذ آخر مرة جئتها لاستلام “جائزة الأميرة صيتة للتميز في المجال العمل الاجتماعي لعام 2015م”.

لذلك لم أعتبر مجيئي للرياض شيئًا عاديَا، بل عديته أمرًا كبير وتوقعت منه الكثير وكانت أولى دلائله استقبال مندوبي الهيئة لنا بحفاوة وترحيب، وأخذنا كضيوف من كبار الشخصيات في سيارة فارهة إلى فندق هيلتون الرياض الذي زان مدخله حدائق الأزهار وأصوات خرير المياه وتغاريد العصافير وابتسامات العاملين، فصعدنا إلى الغرفة المحجوزة لنا مسبقًا «918» التي لم تكن تقل في أناقتها وديكورها عن المظهر العام للفندق.

استرخيت قليلًا ومن ثم بدأت أراجع على جهازي الايفون مادة الورشة العلمية التي أعددتها مسبقًا حتى خلدت إلى النوم.

وفي صبيحة اليوم التالي «الجمعة 10 أكتوبر 2025م – 18 ربيع الآخر 1447هـ»، تناولنا طعام الإفطار في مطعم الفندق، الذي كان مزدحمًا بالنزلاء وضيوف الهيئة من الكتّاب والمثقفين فشعرت بأنني في قلب العالم الثقافي، فالكل كان يتحدث عن المعرض ونشاطاته وفعاليات موسم الرياض الذي كان من المقرر انطلاقه ذلك اليوم بعروض مايسيز الشهيرة، والمجسمات المتحركة، والعروض الموسيقية المباشرة.

وبعد بضع ساعات توجهنا إلى مقر المعرض في حرم جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن الذي كانت تعج طوابيره بمئات من عشاق الكتب. فاُستقبلنا من بوابة كبار الشخصيات آخذين طريقنا إلى القاعة «B» المخصصة للورشة التي كانت تتسع لخمسين شخصًا، وأُعدّت بكل احترافية (ميكروفون لاسلكي، سماعات فردية للحضور، شاشة عرض للشرائح).

أخذت مكاني على المنصة، واستكشفت كل ما حولي تمهيدًا للبداية، وفي هذه الأثناء كان الحضور يتوافدون على القاعة شيئًا فشيئًا حتى امتلأت مقاعدها.

أثناء التجهيزات الفنية النهائية للورشة

وفي تمام الساعة 03:30 عصرًا بدأت الورشة حسب الوقت المحدد فاستفتحت بدعاء:

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.

وعلى وقع ذلك الاستهلال الروحاني خيم صمتٌ جميل على القاعة ثم حييت الحضور وقلت: “إنه لمن دواعي سروري أن ألتقي بكم في يوم مبارك لأول مرة في هذه المناسبة السنوية… لمشاركتكم هذه الورشة بعنوان «العلاج بالكلمات». على مدى ساعةٍ من الزمن، سنعيش معًا رحلةً نفسيةً وإبداعية نكتشف من خلالها كيف يمكن للكلمة أن تكون وسيلةً للتعبير والشفاء، وسأخصص في نهايتها وقتًا لتفاعلكم ومداخلاتكم.”.

ولأنها المرة الأولى التي التقي فيها بزوار معرض الرياض الدولي للكتاب كان من الطبيعي أن ابدأ بالتعريف بنفسي ومسيرتي المهنية، وعلاقتي بهذا الموضوع ككاتب ومؤلف ووكيل أدبي، ومديرًا لشركة “سطور للنشر” بجدة، وبدأت مسيرتي المهنية في العام 1980م بالعمل لدى الخطوط الجوية السعودية لمدة 13 عامًا مضيفًا جويًا، ثم طاهيًا جويًا، ثم مدربًا للخدمة الجوية، ثم تحولت للعمل في مجال الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل، بدءًا بتأسيس جمعية “إبصار الخيرية للتأهيل وخدمات الإعاقة البصرية” في العام 2001م، والعمل على إدارتها لمدة 15 عامًا، ومن ثم تحولت للعمل في قطاع النشر بتأسيس «شركة سطور للنشر» بجدة في العام 2016م والعمل على إدارتها حتى الآن.

وكنت قد بدأت نشاطي مع التأليف والكتابة كهواية بتوثيق تجربتي مع فقدان البصر نتيجة إصابتي بمرض التهاب الشبكية الصباغي (Retinitis Pigmentosa) الذي ترتب عليه ضعف بصري تدريجيًا وإحالتي للتقاعد المبكر من الخطوط الجوية السعودية في 15 أكتوبر من العام 1992م وأنا في أوج عطائي، وما ترتب عليه، فكانت تلك التجربة هي انطلاقة ممارستي للتعبير بالكتابة بإصداري باكورة مؤلفاتي «حصاد الظلام» في العام 2002م، وكان ذلك نتاج لجملة من الكلمات التي فتحت لي أبوابًا من الأمل وقادتني لخوض تجربة ثرية امتدت لأكثر من 30 عامًا، وأوصلتني إلى مكاني هذا الذي أحدثكم منه عن العلاج بالكلمات من واقع تلك التجربة التي مررت بها.

ثم بدأت الدخول في موضوع الورشة بالتعريف العلمي للعلاج بالكلمات (Bibliotherapy / Word Therapy) بأنه مصطلح طبي عُرف أوائل القرن العشرين، وذلك حين اكتشف الأطباء والمعالجون النفسيون أن القراءة المنتقاة أو كتابة اليوميات تساعد المرضى على التخفيف من القلق والألم. حيث استخدمت اللغة المكتوبة أو المنطوقة -قراءةً وكتابةً وسردًا- كوسيلةٍ مساعدةٍ لتحسين الحالة النفسية والمعنوية للإنسان.

واليوم أصبح يشمل: (القراءة الموجَّهة للنصوص الملهمة، الكتابة التعبيرية لتفريغ المشاعر، السرد الشخصي لتجاوز الأزمات وبناء الأمل)، وتشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن الكلمة يمكن أن (تخفف التوتر والقلق، وتعزز التكيف مع الأزمات، زتنمي الشعور بالمعنى والاتصال بالآخرين). وقد لخّصت الجمعية الأمريكية للعلاج النفسي (APA, 2019) هذا المفهوم بقولها: “إن القراءة والكتابة ليستا مجرد أنشطة ذهنية، بل أدوات تدخل نفسي تعزز التكيف الإيجابي.

ولفت انتباه الحضور إلى أن ما يؤكد ذلك هو قوله تعالى: في الآية 82 من سورة الإسراء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ﴾، وكما ورد في الحديث الشريف بأن «الكلمة الطيبة صدقة». وخلاصة القول إن الكلمة وسيلة للشفاء والبناء.

ولزيادة الانتباه سكت قليلًا ثم قلت: “لكني اليوم في ورشتنا هذه لست بصدد تناول العلاج بالكلمات من المنظور الطبي التخصصي، بل سأتناوله من واقع (4) محطات مررت بها في تجربتي، كان لكلمات بسيطة فيها أكبر الوقع، وبمثابة نقطة تحول في حياتي.

فمحطتي الأولى كانت مع (كلمة طبيب) في عيادة ضعف البصر بمركز “اللايت هاوس” الدولي لخدمات ضعف البصر وإعادة التأهيل بنيويورك، في أغسطس 1994م حينها كُنت أواجه حالة من اليأس والإحباط بسبب تدهور حالتي البصرية وفقداني القدرة على القراءة والكتابة باستخدام أحسن النظارات الطبية.

وبعد إجراء الفحوصات الإكلينيكية والاختبارات والقياسات البصرية من قبل الطبيب تمكنت بفضل الله من قراءة بطاقة الائتمان باستخدام مكبر بصري وإضاءة حددها الطبيب، فشعرت بنشوة وسعادة كبيرة بعد تمكني من رؤية الحروف والأرقام، عندها ابتسم الطبيب ونغز على صدري بسبابته وقال «إن العمى هنا وليس في عينيك». فتذكرت قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج (46).

غادرت العيادة وأنا أشعر بنشوة كبيرة وبنيت حُلم كبيرًا، فلقد أيقظت تلك الكلمات في نفسي الأمل والتفاؤل والرضا، وأعادت إليّ النشوة والانطلاق من جديد، لتصبح تلك الكلمات بمثابة العلاج من الإحباط واليأس الذي كنت أعيشه.

أما محطتي الثانية فكانت عندما التحقت ببرنامج للاستقلال الذاتي للمكفوفين بمعهد الجمعية الوطنية للمكفوفين بمدينة «مينيابولس» الأمريكية في أغسطس 1996م وأنا أصارع حالة اليأس والإحباط التي داهمتني ثانية بعد تفاقم حالتي البصرية وعدم تحسن ظروفي بالعودة للعمل. ففي اليوم الأول من وصولي إلى «مينيابولس» كنت أجلس في أحد المطاعم مع مشرف برنامج إعادة التأهيل وكانت الإضاءة خافتة وبالكاد أستطيع أن أرى أي شيء من حولي ففاجئني بسؤال: 

كيف تفرّق بين ملّاحة الملح والفلفل الأسود؟

فاستعجبت من سؤاله!، ولكني أجبته بكل بساطة سألتقط أحدهما وأسكبه على يدي وأذوقه وبالتالي أعرف أن كان ملح أم فلفل أسود.

فقال: إنه من غير اللائق فعل ذلك في مثل هذا المكان.

قلت: إذًا سألتقط أحدهما وأشمه.

فقال لي الملح ليس له رائحة ولن تتمكن من التعرف عليه بالشم، أما إن كان فلفل أسود فسينتابك العطاس والسعال والدموع وهذا غير مريح.

فقلت له: إذًا لا أعرف.

فقال: أمسكهما بيديك وحاول أن تستشعر أيهما الأثقل.

فلاحظت أن أحدهما أثقل من الآخر، فأخبرته عنه.

فسألني ما ظنك أن يكون؟

فقلت: أعتقد أنه الملح.

فقال: صحيح، ولكن أتعرف لماذا؟

فأجبت بالنفي، فقال: إن لذرات الملح خاصية طبيعية بامتصاص ذرات الماء من الهواء (الرطوبة) وبالتالي، يزداد وزنها، أما ذرات الفلفل الأسود فليست لها تلك الخاصية وبالتالي، يبقى وزنها كما هو. ومن الآن فصاعدًا أريدك أن تعي أن كل الأشياء في حياتنا اليومية لها خصائص طبيعية صنعها الإله، وعليك أن تتعلم خصائصها، وتوظفها في معرفة وإدراك ما حولك كخطوة أولى في تنمية مهاراتك الحياتية اليومية للاستقلال الذاتي.

أما محطتي الثالثة فكانت في اليوم التالي عندما كدت أن أتعرض لحادث دهس في وسط الشارع إذ إن المشرف كان قد نصحني بعد خروجنا من المطعم بأن حالتي البصرية تحتم عليَّ ألا أصدق كل ما تراه عيناي، ولكنني لم أعر نصيحته ذلك الاهتمام واستمريت في اعتمادي على ما تراه عيناي من بصيص وصور حيث كنت أعيش حالة من الإنكار.

فعندما جاء ليأخذني إلى المعهد صباحًا بسيارته الحمراء فاقعة اللون، خرجت من باب العمارة التي أسكنها، وخطوت مباشرة تجاه سيارته ولم أعِ بنفسي إلا على صوت بوق سيارة وصوت كوابحها الصارخ، وصرخة السائق الفزع من تواجدي وسط الشارع أمام سيارته التي فصلني عن مقدمتها بضع سنتيمترات قبل أن تصطدم بي. فأدركت أنني في وسط الشارع وأن سيارة المشرف كانت على الطرف الآخر وأن الشارع كان يفصل بيننا.

فالتقطت أنفاسي وواصلت سيري نحو المشرف الذي خرج من سيارته فزعًا وأخذ بيدي إلى سيارته وانطلقنا، وفي الطريق قال لي: “ألم أقل لك ألا تصدق كل ما تراه عيناك، لأن حاستك البصرية الآن يشوبها الكثير من القصور في أداء وظائفها، وإن ما تراه ليست هي الصورة الكاملة أو الحقيقية، لذا؛ عليك من الآن أن تنمي قدراتك في الاعتماد على حواسك التعويضية الأخرى كالسمع والشم، وهذا ما يجب عليك أن تكتسبه من مهارات في برنامج إعادة التأهيل”، ومن حينها أيقنت بأن عليَّ أن اعترف بواقعي بأنني في حكم كفيف البصر.

وبرغم إن برنامجي التدريبي كان يعتمد على التدرب على الوسائل البديلة وتنمية الحواس التعويضية، لكن كان الأكثر تأثيرًا هو الاستماع إلى تجارب الآخرين الملهمة، والذي أدرك اليوم بأنه واحد من أساليب العلاج بالكلمات.

والحقيقة إن العلاج بالكلمات له أيضًا بعد آخر وهو تهذيب السلوك وبناء الوعي لدى الإنسان وذلك ما أكدته لي محطة سبقت تلك المحطات الثلاث بسنوات حينما كنت مبصرًا ولا زلت قادرًا على قيادة السيارة، فلقد اعتدت أن أخالف سير شارع فرعي في الحي اختصر به الطريق للوصول إلى منزلي، وذات يوم واجهتني سيارة كان قائدها في مساره الصحيح، فأوقفني وترجل من سيارته بمظهره الأنيق واتجه إليَّ بخطوات هادئة وحياني بلطف وقال لي بكل هدوء: “أنت شاب ويبدو عليك أنك متعلم وضيفًا على هذه البلاد وتركب سيارة ساب 900 تيربو آخر موديل ومخالفتك للشارع سلوك لا يتلاءم مع ذلك” فكانت كلماته تلك كمن سكب ماءً باردًا على وجهي، وأشعرتني بالخجل من نفسي، فاعتذرت منه، ومن حينها وحتى توقفي عن القيادة في العام 1990م بسبب تدهور حالتي البصرية، لا أذكر أنني ارتكبت أي مخالفة مرورية.

في غضون ذلك كان وقت الورشة يمضي، لا كمحاضرةٍ جامدة، بل كحديثٍ من القلب إلى القلب، فلقد اعتمدت على التعبير الصوتي والمفردات اللفظية ذات الصور الذهنية المحركة لخيال المشاركين، فكانت كلماتي تخرج منّي لا كمحاضر يُنظر لما يقول، بل كإنسان ينقل تجربة عشاها. وضربت مثلًا لتجربة لي مع واحدة من ذوات الإعاقة البصرية إبان إدارتي لجمعية إبصار وكان لكلامي أثرًا كبيرًا عليها حينما قلت لها “نحن هنا لا نريد من المعاق أن يكون طه حسين، بل نريده أن يكون كما يحب أن يكون” فكانت كلماتي تلك بمثابة الشعلة التي أوقدت حماسها فانطلقت بموهبتها لتصبح واحدة من الفنانات التشكيلات السعوديات في الرسم بالفحم ومع تدهور حالتها البصرية تحولت إلى تأليف قصص الأطفال بالتلقين وشاركت بباكورة إنتاجها في مسابقة بابا طاهر لأدب الأطفال ومؤخرًا أصدرتها رسميًا.

ثم أتبعت ذلك المثل بقولي “إن الكلمات إذا اختيرت بعناية من حيث المفردات المناسبة وقيلت في سياق الوقت والمكان المناسبين، فسيكون تأثيرها بمثابة العلاج، ورسالة من القلب إلى القلب، وتقود الإنسان إلى أن يكون مبدعًا في ميدانه، وتصبح تجربته قصة ملهمة للقراءة، أو يكتسب القدرة على الكتابة التعبيرية لتفريغ المشاعر في عمل أدبي محفز للآخرين، أو اكتسابه قدرة السرد الجاذب لتجربته الشخصية في تجاوز الأزمات وبناء الأمل” واستشهدت على ذلك بما قمت به من توثيقي لتجربتي في مؤلفي «حصاد الظلام» الذي استغرق مني تأليفه 4 سنوات، وبنيته من الفيلم الوثائقي (رحلتي في الظلام الأبيض) من إنتاج مجموعة ART في العام 1996م وسردت فيه تجربتي الشخصية مع فقدان البصر وما ترتب عليه.

وختمت كلامي بقولي “إن العلاج بالكلمات يعد من صلب ديننا الحنيف فالكلمة الطيبة صدقة ولها وقعها على النفس، ومنافعه الإنسانية والاجتماعية متعددة، وتشكل إضافة للإبداع والثقافة”.

ثم أتحت المجال لمداخلات الحضور وأسئلتهم التي أثرت الورشة وأضافت الكثير كان من أبرزها مداخلة لرئيس جمعية خيرية بمحافظة الأحساء قال بصوتٍ مفعم بالعاطفة والتأثر بما سمع “ألهمتني تجربتك وحبذا لو أن الإعلام في بلادنا يسلط الضوء على مثلها فبحكم عملي في الجمعية التمست أن الكثير من ذوي الإعاقة يعانون من حالات اليأس والإحباط، وأسرهم لا تساعدهم على الاندماج في المجتمع لضعف وعيهم فهم بحاجة إلى الكثير من التوعية ولعل في عرض تجربتك أو ما شابهها في وسائل الإعلام خير عون لهم”.

وبنهاية الورشة التقط عددًا عدد من الحضور صورًا تذكارية معي وشعرت حينها أن الورشة تجاوزت أسوار القاعة فلقد كانت كلماتهم تؤكد لي أن الرسالة قد وصلت.

صورة تذكارية مع رئيس الجمعية بمحافظة الأحساء الذي قام بالمداخلة

وما زاد على ذلك هو أن المشرفين على الورشة قالوا لي إن القاعة كانت ممتلئة بالكامل، بل كان هناك من يقفون خارج القاعة لعدم وجود مقاعد شاغرة.

وكان أكثر المواقف تأثيرًا بالنسبة لي هو عندما ذهبت إلى ركن المؤلف السعودي وأخذت مقعدي في منصة التوقيع حسب البرنامج المجدول إذ جاءني رجل ستيني طالبًا مني توقيع مؤلفي «حصاد الظلام» له وقال: “استمعت إلى كلامك في الورشة وتأثرت به كثيرًا خصوصًا قصة الفنانة الرسامة ومعي بناتي أيضًا تأثرن بتجربتك واشترين مؤلفك الآخر رحلتي عبر السنين بجزيئه الأول والثاني ويردن منك توقيعه لهن”. وتوالى الزوار من طالبي التوقيع، ومن ثم انتقلت إلى منصة التوقيع الرئيسية لتوقيع مؤلفي الجديد “سطور مضيئة معهم” الذي خصصت جزء من وقت الورشة للحديث عنه لما تضمنه من قصص ملهمة لأشخاص ذوي إعاقة بصرية كان للكلام أثرًا في نجاحاتهم.

وعلى ضوء تفاعل حضور الورشة الذين كان من بينهم المستشار الإعلامي للمعرض الأستاذ خير الله زربان لتغطية الورشة إعلاميُا فدعاني لزيارة المركز الإعلامي حيث التقيت بعددٍ من الصحفيين والمصورين الذين أبدوا اهتمامًا بموضوع الورشة وتجربتي مع الإعاقة البصرية، والتقطنا بعض الصور ثم غادرتُ.

واغتنمت فرصة تواجدي بالتجول في أرجاء ذلك المعرض الضخم الذي أصبح يعد واحدًا من أبرز معارض الكتب الدولية إذ شارك فيه أكثر من 2000 دار نشر ووكالة من أكثر من 25 دولة، وشهد تنظيم أكثر من 200 فعالية ثقافية وترفيهية (ندوات، جلسات حوارية، أمسيات شعرية، ورش عمل، عروض مسرحية، فعاليات مخصصة للأطفال).

أثناء التجول في المعرض

وبعد ذلك اليوم الطويل عدت إلى الفندق حاملًا معي تلك الهدية التذكارية الجميلة التي قدمتها لي إدارة البرنامج الثقافي في نهاية الورشة، برفقة زوجتي وابنة أخي الطالبة بجامعة نورة التي جاءت خصيصًا لحضور الورشة وتوقيع الكتب. فاسترخينا من عناء المشي في المعرض وضوضاء آلاف الزوار وتناولنا وجبة عشاء فاخرة على خلفية موسيقى الجاز، وخرير مياه النوافير الموزعة في أرجاء الفندق، ثم صعدت إلى غرفتي لأخذ قسط من الراحة استعدادًا لرحلة العودة إلى جدة صباح اليوم التالي.

وفي الأثناء فوجئت برسالة واتساب من المستشار الإعلامي برابط وكالة الأنباء السعودية التي نشرت خبر الورشة وتجربتي بعنوان «كفيف يروي تجربته الملهمة في معرض “الرياض تقرأ”» ومن ثم توالت الصحف تباعًا في تناقل الخبر على إثر ذلك الاهتمام والاستقبال الذي حظيت به في المركز الإعلامي، فسعدت بذلك كثيرًا وأحسست أن التجربة خرجت من حدود ذلك المكان والزمان، وصارت أثرًا متداولًا بين الناس.

وفي صبيحة اليوم التالي غادرت برفقة أم سندس الفندق متجهين إلى المطار، حيث استقللنا رحلة الخطوط الجوية السعودية «SV1033» عائدين إلى جدة، وأنا أشعر بأنني خرجت من الرياض بشيءٍ أكبر من تجربةٍ ثقافية… خرجت بشعورٍ جديدٍ تجاه ذاتي، وأدركت أنني طوال سنين مسيرتي كنت أستخدم العلاج بالكلمات في حياتي الشخصية والمهنية دون أن أعلم، وأنه لعب دورًا في وصولي إلى ما وصلت إليه.

وقضينا الوقت في الطائرة، نسترجع ذكرياتنا الجميلة وأبلغت أم سندس مدير الرحلة بأننا من زملاء الخدمة حيث كنا ملاحين جويين فابتهج بذلك، وقلت له أتعلم أنني اليوم أحتفل مع نفسي بذكرى مرور 37 عام على إيقافي عن العمل في الطائرات بسبب حالتي البصرية و33 عام على إحالتي إلى التقاعد المبكر في 15 أكتوبر 1992م، ولم يعكر صفو تلك اللحظات الجميلة سوى مطبات هواية شديدة على أثرها طلب قائد الطائرة من جميع المسافرين العودة إلى مقاعدهم وربط أحزمتهم بما فيهم ملاحي الطائرة.

وبعد وصولنا إلى جدة غادرت المطار وأنا عازم على مواصلة رحلتي مع العلاج بالكلمات.. فهناك كلمات ما زالت تنتظر أن تُقال.

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 104
Share