في ظهيرة يوم الأربعاء 17/09/2025م كنت أراجع ديوان «أنفاس الربيع 1955م – 1375هـ» للأديب طاهر زمخشري -رحمه الله- فاستوقفني مهر إحدى قصائده «إلى الصخرة» الذي قال فيه “في أعلى قمة جبل قيقعان بمكة رابية كنت أقضي بها الأصايل وقصدتها مؤخرًا فتعثرت في الصخار المتناثرة هناك”. فتوصلت إلى أن تلك «الرابية» هي التي تغنى بها في إحدى أشهر قصائده الخالدة «إلى المروتين» المنشورة في ديوانه «أغاريد الصَّحراء 1958م – 1378هـ» بقوله:
أهيم بروحي على الرابية *** وعند «المطـاف» وفي «المروتين»

ومن المعروف أن الأديب -رحمه الله- قد عاش جزء من حياته في بيت عدس بحي الشامية الذي كان يقع على سفح جبل قعيقعان الذي عرف أيضا باسم جبل هندي، وعرف البيت بهذا الاسم نسبة لملاكه (آل عدس). وكان يقضي أصايله على رابية في أعلى قمة ذلك الجبل، ويهيم بناظريه نحو «المطاف والصفا والمروة» وجبلي «أبي قبيس وقعيقعان» الذين عرفا بـ «الأخشبين».

ولذلك عندما تواجد في إحدى السنوات في القاهرة في إجازة قصيرة وأعلن عن دخول شهر الحج شعر -رحمه الله- بغصة وشوق وحنين للمكان، فهام على وجهه ولم يع بنفسه إلا وهو جالس في حديقة حيوانات الجيزة وسطر:
أهيم بروحي على الرابيهْ *** وعند «المطـاف» وفي «المروتين»
وأهفو إلى ذِكَرٍ غاليهْ *** لدى «البيت» «والخيـف» والأخشبين
فيهدر دمعي بآماقيهْ *** ويجـري لظاه على الوجنتين
ويصرخ شوقي بأعماقيهْ *** فأرسل مـن مقلتي دمعتين
… إلى آخر القصيدة.

كان -رحمه الله- قد قال لابنته ابتسام إنه نظم تلك القصيدة من 24 بيت وهو يذرف الدمع السخين في حديقة حيوانات الجيزة بالقاهرة بعد أن شعر بغصة لبعده عن الديار المقدسة في مثل هذا الوقت الذي اعتاد فيه أن يكون متنقلًا بين الحجيج في المشاعر المقدسة يغطي موسم الحج للإذاعة السعودية.
أما قوله «المروتين» إشارة إلى جبلي «الصفا والمروة» فقد عرف ذلك عند العرب منذ القدم كما جاء في لامية أبي طالب عم الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي أوردها ابن هشام في كتابه عن السيرة النبوية:
أَشواطِ بَينَ المَرْوَتَينِ إلى الصَّفا *** وما فيهما من صورةٍ وتَماثِلِ
ويعرف ذلك في اللغة العربية بالمُثنّى التغليبي بتغليب الأخف نطقًا للإيجاز والاختصار كما في قولهم (العُمرين) وهما: (أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب) رضي الله عنهما، أو (الأبوان) والمقصود بهما (الأب والأم) كما جاء في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)، أو (القمرين) والمقصود بهما (الشمس والقمر).

فرحم الله الأديب الذي سطر بقصيدته تلك واحدة من أروع قصائد الشوق والحنين في عصرنا، فقد جسّد فيها أن حب الوطن لا تحده المسافات ولا تقيده الغربة، بل يظل يسكن القلوب والذاكرة، شاهدًا على خلود المكان والإنسان معًا. وإن الشوق والحنين للوطن هو في جوهره حنين للهوية والجذور، وما الشعر إلا مرآة تصون هذه الذاكرة من الغياب. واختم دردشتي هذه بأبيات من قصيدته إلى المروتين:
أهيم وفي خاطري التائه *** رؤى بلد مشرق الجانبين
يطـوف خيالي بأنحائه *** ليقطع فيه ولو خطوتين
أمرغ خدي ببطحائه *** وألمس منه الثرى باليدين
وألقي الرحال بأفيائه *** وأطبع في أرضه قبلتين

الرابط المختصر لهذا المقال:

عدد المشاهدات 308
Share